كلام أبيض
هكذا بلد لا أريده
جليل وادي
العنوان أعلاه هو فحوى ما قالته امرأة صابئية من أهالي مدينة العمارة الكرام، أعدت صياغته لتحويله من اللهجة العامية الى اللغة الفصحى.العمارة هذه المدينة ذات الطابع العشائري، المعروفة بوجدان أهلها، وسنن الحق التي يطبقونها على الجميع دون استثناء، لا تعرف الكراهية لقلوبهم طريقا أبدا، المتسامحون أهلها بالفطرة، أليست هي موطنأكثريةالصابئةفيالعراق، وأمام أنظارهم يتعمدون بماء نهرها منذ مئات السنين؟، أليست أعظم قصيدة بمدح الامام الحسين (ع) كتبها شاعر صابئي هو الراحل الكبير عبد الرزاق عبد الواحد، وفخرا بها تسمّوا بإسمها، هل نسيتم ان (عمارة) هو جد شاعرتنا الصابئيةلميعة عباس التي تغنت بمرابع صباها العمارة وببغداد الى أن لفظت أنفاسها الأخيرة في الغربة عام 2021.
ابنتهم التي أتحدث عنها رفضت مغادرة وطنها كما غادرها كثير من الأقليات قسرا وليس رغبة منهم، وفضّلت البقاء مع أبناء وطنها تشاركهم أحزانهم وتتحمل معهم شظف العيش، هي الآن تشكو جورا وقع عليها، ولا أحد يرفع الضيم عنها. فأوصلوها لقول كلام ما أرادت أن تقوله أبدا، بالرغم مما مر بنا على مدى العقود الماضية، ومع ذلك ما زالت تناشد لعلها تتراجع عما قالته بحالة انفعالية.
وقبل أن أروي لحضراتكم مشكلة هذه الصابئية الكريمة، أعيد ما كنت قلته مرارا في هذا الحيز المكاني الذي شرفتني به جريدتنا الزمان الغراء لأعبر فيه عن آرائي بحرية مطلقة، ان جمال العراق وقوته في ألوانه الاجتماعية المتعددة، وهذا ليس كلاما انشائيا، بل هذه هي الحقيقة، وبغياب الأقليات يتطرف المجتمع، لأنه سيكون بلون واحد، تعدد المكونات يجعل المجتمع مرنا في تفكيره، متسامحا في نزعته، مدركا لأهمية العيش المشترك، مفاخرا بأنه القلب الذي يتسع للجميع، ومجسدا لقيم الانسانية التي دعا لها ديننا الحنيف، ألم يقل الامام علي (ع): ان الانسان (اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق)، وهل هناك أعمق من هذا القول؟.
لهذه المرأة التي قدرت عمرها بين الأربعين والخمسين بحسب صوتها الذي سمعته من اذاعتنا الرسمية وهي تعرض شكواها للبرنامج الميداني (الوطن والناس) الذي يبث على الهواء مباشرة في الساعة التاسعة صباحا، ويبذلفيه مقدمه الاستاذ مصطفى الربيعي مجهودا يوميا وانسانيا كبيرا، لهذه المرأة قطعة أرض في مدينة العمارة، استولى عليها رجل متنفذ، وبنى عليها دارا، ورفض هذا الرجل جميع محاولات المرأة لاسترجاع حقها، وطرقت جميع الأبواب بما في ذلك المحاكم التي حصلت منها على أمر بالإخلاء، لكن لا أحد يستطيع اجبار الرجل على الاخلاء بسبب نفوذه، راجعت المرأة الجهات المختصة حاملة معها أمر الأخلاء لكن دون جدوى بالرغم من مضي سنين عديدة، وهي تصرخ مَنْ يعيد لي حقي، لماذا تجبروني على الرحيل كما رحل غيري، انا أحب وطني، لماذا تزرعون غلا في قلبي؟، ما عدت أتحمل، فالبلد الذي لا ينصفني لا أريده
هذا فحوى ما سمعته من قولها بنبرة صادقة ومشاعر حزن قاسية شبيها بنبرات نادية مراد الفتاة الأيزيدية التي تمكنت الافلات من يد داعش الارهابي في سنجار، وجابت أرجاء الدنيا تشرح مأساة أهلها والفتيات السبايا اللواتي قادهن الظلاميون الى كهوفهم كغنائم معركة، ومع انالارهابيين يستهدفون جميع العراقيين، لكنهم يولون الأقليات اهتماما مقصودا، وهنا علينا أن نتساءل: لماذا يريدون افراغ العراق من الأقليات ؟.
أعتصر قلبي لشكوى المرأة، وثمة انفعال دب في جسدي، وسرح فكري بعيدا، فانتبهت لنفسي، يا ساتر انا أسوق مركبتي، الحمد لله لم يحدث لي سوءا، صدقوني وصلت الى مقصدي دون أن أدري، اللاوعي هو الذي قاد المركبة. في بالي سؤال من أين يستمد هذا الرجل نفوذه، ومَنْ هي الجهة التي يستند اليها؟، وجميع الجهات والتيارات الحزبية الفاعلة في مدينة العمارة معروفة، فهل يُعقل ان جميع هذه الجهات راضية بما يجري؟، يا سادة بيت بمئتي متر لا يستأهل أن تُرسم عنكم صورة قاتمة السواد، وأتمنى أن لا تغلق جميع الأبواب أمامهذه المرأة المحبة لبلدها وأبناء شعبها ومدينتها العمارة، وتجبر على مغادرة العراق لتشكو حالها للغرباء، وللشكوى هناك معان لا نرغب بها، رجاء ترفعوا عن الصغائر.
jwhj1963@yahoo.com