الأفضل نتطلَّع إلى ما هو أفضل
غزاي درع الطائي
قبل أن يقول المتنبي: (قد شغلَ النّاسَ كثرةُ الأملِ)، وبعدما ما قال، وإلى الأبد، يظل الأمل راية ترفعها الأجيال في كل مكان وفي كل زمان، فالأمل هو تطلُّع نحو الأفضل، والأفضل في كل الأحوال هو أن نتطلَّع إلى ما هو أفضل، والأمل هو النافذة التي نفتحها على آفاق الحياة المديدة، المتشابكة مثل الأغصان في غابة كثيفة الأشجار:
ستُمطِرُ الأرضُ يوماً رغمَ شُحَّتِها ومِنْ بطونِ المآسي يولدُ الأملُ
والأمل كما يقول عنه أفلاطون : (هو حلم الإنسان المستيقظ) ، فيما يقول عنه الناشط الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل للسلام مارتن لوثر كنغ : (كل ما تم إنجازه في هذا العالم، تم إنجازه من خلال الأمل)، أما الفيلسوف الدنيماركي سورين كيركيغارد فيقول:
(إن تعليق المرء نفسه بترقب باحتمالية حدوث أمر جيد يسمى أملا).
والأمل هو الحضن الدافئ للطموحات، والأرض الخصبة لأحلام اليقظة، والأمل، حيٌّ يُرزقُ في العراق، والعراقيون متشبثون بالأمل، متعلِّقون به حتى الرَّمق الأخير، فهو سميرهم في الليالي الطِّوال، وصاحبهم الذي لا يُمَلُّ في السَّفر، وصديقهم الصَّدوق في أيام المحن، ورفيقهم حيثما حلّوا وحيثما ذهبوا، ولا تفرغ الكؤوس العراقية من الأمل حتى في أشدِّ الأزمات وأعتى الأوقات، فلقد رأى العراقيون ما رأوا من الحروب والحصارات والمرارات، وخرجوا منها جميعها أكثر ألقا وأعلى اقتدارا.
إنهم يشعلون الآمالَ شموعا في ظلام الأيام الصعبة، وينطلقون من أحيائهم وشوارعهم ودوائرهم نحو عنفوان الحياة وجَمالها كالسيل النازل من أعالي الجبال، إنهم مغامرون والأمل جَوادهم الذي لا يمل من الجري، ونهرهم الثالث الذي يفيض بكل ما هو رائع من الطموحات ومن أحلام اليقظة:
إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومِ فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ
ولا يشهد للعراقيين التاريخ فقط على قدرتهم على تجاوز الملمات والصعاب، بل يشهد لهم تاريخهم الحديث والمعاصر أيضا، فقد ارتفعت هممهم وعبروا المضائق بما فيها من مسالك وعرة، وتقدموا إلى الألمام بجدارة عالية وبإيمان كبير.
إن العراقيين متعلِّقون بآيات الجَمال، ومنيرون كالأقمار، وزاهرون كالنجوم الزاهرة، ومستنيرون بكل ما هو خالد ومزهر ومثمر، ورافلون بالرِّفعة والكرامة والمهابة والقيم الأصيلة، إنهم لا يتشبثون بالوهم بل بالأمل، ولا يتعلقون بالسراب بل بقوة الأمل، وطريقهم إلى ذلك:
القــــــول والعمل، وعندما يراهم الأمل معه، فإنه سيكون معهم، وسيكونون معا، وما أجمل أن يكونوا معا.