الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رؤيا الجبوري تجمّل منفاها بلوحات فنية معاصرة: عندما تضيق مساحة الكلمة أستنطق الألوان

بواسطة azzaman

رؤيا الجبوري تجمّل منفاها بلوحات فنية معاصرةعندما تضيق مساحة الكلمة أستنطق الألوان

أنقرة ـ صلاح الربيعي

في عالم الفن التشكيلي المعاصر ثمة ريشة لا ترسم الأشكال بل تحفر في الذاكرة ذوقا وإبداعا متميزا إنها ريشة تحمل طمي بابل وكبرياء عشتار وأوجاع بغداد لتنثرها في مغتربها الأوربي وهنا ستكون ضيفتنا اليوم التشكيلية العراقية رؤيا رؤوف الجبوري التي ولدت في عمق الإرث الحضاري ببابل وتنقلت بمعارضها بين العواصم العربية والعالمية حتى استقر بها المطاف في ألمانيا مقاطعة لايبزك لتظل ريشتها سفيرة فوق العادة لحضارة بلاد ما بين النهرين وخلال زيارتها الأخيرة الى تركيا التقتها (الزمان) وكان هذ الحوار:

دعينا نعود بالذاكرة إلى الماضي وتحديداً إلى بابل في عام 1955 حيث النشأة في كنف عائلة تميزت بالثقافة والسياسة والأدب فكيف أثرت هذه البيئة على شخصيتك؟

-أنا ابنة بيئة لم تكن عادية فوالدي هو المحامي والشاعر رؤوف حسن الجبوري رئيس الحزب الوطني الديمقراطي في بابل ومؤسس جريدة الحلة آنذاك ووالدتي كانت مديرة مدرسة الشرقية النموذجية التي درستُ فيها ولدتُ ونشأتُ بين أمهات الكتب الفلسفية والدواوين الشعرية والأجواء الوطنية الصاخبة هذا المزيج منحني وعياً مبكراً جداً  وأتذكر أن موهبتي بدأت بالظهور في سن السابعة وحظيت بدعم لا محدود من والدتي التي كانت تروي لي الأساطير والقصص التي غذت خيالي فضلاً عن تأثير والدي ومحيطه الثقافي.

يُقال إن طفولتكِ شهدت لقاءً استثنائياً مع شاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري الذي كان صديقاً مقرباً جدا لوالدكِ فماذا تخبرينا عن هذا اللقاء؟

- نعم هذا اللقاء مازال محفوراً في ذاكرتي ولا يمكن أن أنساه أبداً لقد كان  الجواهري يزورنا بحكم صداقته المميزة مع والدي وفي إحدى تلك الزيارات وعندما كنت طفلة آنذاك اطلع على بعض محاولاتي الأولى في الرسم وتأملني جيداً ثم تنبأ لي بمستقبل فني واعد وحينما سمعت منه كلمات الإطراء والإعجاب بما رسمت والكلام من قامة معروفة كالشاعر الجواهري لم تكن مجرد تشجيع عابر بل كانت بمثابة وثيقة إعتراف مبكر بكياني الفني وظلت تلك الكلمات ترن في أذني كدافع مستمر طوال مسيرتي الإنسانية والفنية.

مشوار تعليمي

عند انتقالك إلى بغداد والتحاقك بمعهد الفنون الجميلة وتخرجتِ فيه عام 1978 صفي لنا مرحلة التكوين الأكاديمي وماذا أضافت لكِ لاحقاً في مشواركِ التعليمي والتربوي؟

-بغداد في السبعينيات كانت شعلة من النشاطات الثقافية والفنية لذلك توجهت نحو الدراسة هناك في معهد الفنون الجميلة حيث صقلت موهبتي الفطرية بالقواعد الأكاديمية وهناك نلت عضوية نقابة وجمعية الفنانين العراقيين هذا المخزون لم أحتكره لنفسي فقط بل اخترت نقل هذه الأمانة الفنية إلى الأجيال الجديدة من خلال العمل في المجال التعليمي والتربوي حيث ساهمت في تدريس طلبة الفنون الجميلة في العراق وهو أمر أعتز به كثيراً لأن بناء الوعي والثقافة البصرية للأجيال لا يقل أهمية عن إنتاج اللوحة.

عندما يتأمل الناقد أعمال رؤيا الجبوري يجد صعوبة في تأطيرها داخل مدرسة فنية معينة افيزيقيا فكيف تصفين هذا الصورة الفنية؟

-أنا لا أؤمن بالقيود أو الالتزام الصارم بمدرسة فنية محددة وان أسلوبي نتاج لما يمكن أن أسميه بالتدفق الذاتي والخيال الحر والإنصهار الروحي الكامل مع الفكرة ومعظم لوحاتي هي مزيج من الواقع والميتافيزيقيا مستندة إلى خزين فكري وفلسفي تراكم في داخلي منذ الطفولة ولعل هذا ما جعل فناناً رائداً كبيراً بحجم الراحل شاكر حسن آل سعيد يُشيد بأعمالي وهو وسام ثمين أعتز به كثيراً.

المرأة والوطن ومعاناتهما هما الثنائية الأكثر حضوراً في لوحاتكِ التشكيلية فما هي أسباب ذلك؟

-المرأة في لوحاتي ليست مجرد عنصراً للجمال بل هي الأرض الخصبة النابضة بالحياة والعطاء والآلهة الرافدينية ورمز للتحدي والصبر والصمود لذلك ركزت ريشتي على قضايا المرأة سيما العراقية التي تحملت عبء الحروب والقهر والحرمان فجسدتُها كأرملة وثكلى وأم صابرة كما أصبح الفن بالنسبة لي سبيلا للتعبير عن الإنسانية ولهذا  خصصت ريع بعض من معارضي ولوحاتي لدعم الأيتام والأرامل في العراق وانا اعتبر اللوحة التي لا تشعر بوجع مجتمعها هي لوحة ميتة.

تمتازين بأسلوب فني مختلف وهو التداخل بين اللون والكلمة حيث ترسمين وتكتبين الشعر في آن واحد فمن يكمل الآخر؟

-بالنسبة لي القصائد هي الإمتداد الطبيعي للوحاتي الفنية فعندما أكون أمام القماش أجد  مساحة اللون على رحابتها فهي لا تتسع للتعبيرعن كل الكلمات والأفكار الكامنة في أعماقي عندها تولد القصيدة لتكمل ما بدأه اللون فوق القماش وكلاهما يخرج من مشكاة روحية واحدة.

أسستِ قاعة رؤيا في بغداد لتتبني الحراك الفني هناك وأقمتِ أكثر من 13 معرضاً شخصياً فضلاً على عشرات المعارض المشتركة فأي من هذه المحطات تشعرين أنه كان نقطة التحول الأبرز في مسيرتكِ الفنية؟

- كل معرض يمثل قطعة من روحي ومرحلة من وعيي فمعرضي الأول عام 1988 في قاعة الرواق كان بمثابة الولادة الرسمية أمام الجمهور ومعرض الرؤيا في قاعة الأورفلي عام 1994 كان نضوجاً لافتاً لكنني لا أستطيع نسيان معرض عشتار في قاعة بيكاسو بالقاهرة عام 2006 حيث كان حضور الجمهور والنقاد المصريين والعرب لافتاً ومؤثراً جداً ونقل تجربتي إلى فضاء عربي أوسع وكذلك محطة الدوحة عام 2008.

قادتكِ الظروف إلى الهجرة والعيش في ألمانيا. كيف هو أثر الإغتراب في وعيكِ الفني؟ وهل تغيرت هوية اللوحة لديك؟

-الهجرة والمنفى يغيران المكان لكنهما لا يغيران الهوية وفي ألمانيا انضممت إلى رابطة المبدعين العراقيين في المغترب الأوربي ووجدت نفسي متفرغة بالكامل لإنتاجي الفني والكتابي وكل هذا لم يبعدني عن وطني العراق بل جعلني أحمله في قلبي أينما أكون و الغربة جعلتني أكثر تمسكاً بجذوري العراقية وبعد المسافات لم يفصلني يوماً عن أهلي وأبناء بلدي وأصبحت ريشتي هنا بمثابة السفيرة للحضارة البابلية والسومرية والأكدية والآشورية ومثلما عرضت أوجاع العراقيين ومظلوميتهم أمام العالم بنفس الوقت نقلت أيضا صورة جمال وعظمة تاريخ وإبداعات بلدي العراق وثقافاته الواسعة المختلفة  إلى الجمهور الأوروبي وهذا عبر بعض اللوحات الفنية التشكيلية التي أنجزتها وشاركت بها في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأماكن أخرى في العالم ومؤخرا وتواصلا مع الفن وكعضو في جمعية كيدوك الألمانية كانت لي مشاركة سنوية بلوحتين تشكيليتين ومثل كل عام حيث تم قبولهما من بين عشرات اللوحات بعد موافقة اللجنة المشرفة عليهما في هذا المعرض السنوي الجماعي للفنانات الألمانيات ومن المؤمل أيضا المشاركة وإقامة معرض تشكيلي مميز في المملكة العربية السعودية وكذلك لدي دعوات أخرى من جهات عربية ودولية مختلفة للمشاركة في معارضهم الفنية وبأسلوب حداثي مختلف يتفاعل مع قضايا الإنسان المهمة أينما يكون ومهما كانت هويته ومع طول مسيرتي الفنية سيبقى حلمي قائما بأن ارسم لوحة لبلدي العراق أجسد فيها وحدته وازدهاره وشعبه معافى من الظلم والفساد والأمراض السياسية.

 

 


مشاهدات 29
أضيف 2026/05/30 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/05/31 - 1:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 105 الشهر 29430 الكلي 15874624
الوقت الآن
الأحد 2026/5/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير