حين يصبح الإنسان منتجاً يباع بصمت
عباس النوري
في الماضي، كانت الشركات تبيع للإنسان سلعة. أما اليوم… فالإنسان نفسه أصبح هو السلعة.
هذه ليست مبالغة أدبية، بل الحقيقة الأكثر صدمة في عصرنا.
أنت لا تستخدم المنصات مجانًا كما تظن… بل أنت تدفع أغلى ما تملك: وعيك، وانتباهك، ومشاعرك، وعاداتك، ووقتك، وحتى نقاط ضعفك النفسية.
صدمة حقيقية
لقد دخل العالم مرحلة لم يعد فيها الإنسان “مستهلكًا” فقط، بل أصبح “منتجًا قابلًا للبيع”.
كل نقرة، كل إعجاب، كل ثانية تقضيها أمام الشاشة، كل خوف، كل رغبة، كل تردد… يتم تحويلها إلى بيانات.
وهذه البيانات لا تُجمع عبثًا، بل لبناء نموذج نفسي دقيق عنك: كيف تفكر؟ متى تغضب؟ ما الذي يثير انتباهك؟ ما الذي يجعلك تشتري؟ ما الذي يجعلك تخاف؟ ومن يمكنه التأثير عليك بسهولة؟
وهنا تبدأ الصدمة الحقيقية: أنت لا ترى ما يظهر لك على الشاشة بالصدفة.
كل شيء تقريبًا تم اختياره بعناية: الفيديوهات، الإعلانات، الأخبار، المقاطع، الترندات، وحتى الأشخاص الذين يظهرون أمامك باستمرار.
لقد أصبحت المنصات تعرف كيف تُبقيك أطول وقت ممكن داخل دائرة الاستهلاك والانفعال.
فكلما بقيت أكثر… ربحت أكثر.
لكن السؤال المرعب ليس: ماذا تربح المنصات منك؟
بل: ماذا تخسر أنت من نفسك؟
لقد تحول الانتباه البشري إلى أغلى مورد اقتصادي في العالم.
ولهذا لم تعد الشركات تتنافس على بيعك منتجًا فقط… بل تتنافس على احتلال عقلك.
إن أخطر ما يحدث اليوم أن الإنسان يظن أنه “يختار” بحرية، بينما كثير من اختياراته يتم توجيهها بهدوء عبر هندسة نفسية دقيقة تعتمد على: التكرار، والتحفيز اللحظي، والإدمان السلوكي، وإثارة المشاعر السريعة.
لقد أصبح الإنسان يدخل المنصة لدقائق… ثم يخرج منها بعد ساعات دون أن يعرف كيف سُرقت منه حياته بهذا الشكل.
وهنا تظهر الحقيقة التي لا ينتبه لها كثيرون: المنصات لا تبيع لك المحتوى… بل تبيعك أنت للمحتوى.
اقتصاد رقمي
كلما فقدت تركيزك، ازدادت قيمتك السوقية.
وكلما أصبحت أكثر انفعالًا، أصبحت أكثر قابلية للاستهلاك والتوجيه.
لقد تحولت مشاعر البشر إلى مادة خام: الخوف يُستثمر، الغضب يُضخَّم، الرغبات تُحرَّك، وحتى الوحدة والاحتياج النفسي أصبحا جزءًا من اقتصاد رقمي ضخم.
إن الإنسان الحديث لم يعد فقط مُراقَبًا… بل أصبح مُحلَّلًا، ومُتوقَّعًا، ومُعاد تشكيله لحظة بلحظة.
والمأساة الكبرى أن كل ذلك يحدث بينما يظن الإنسان أنه “يتسلى”.
لقد نجحت المنظومات الحديثة في جعل الإنسان يسلّم وعيه طوعًا، ثم يشــــــــــــكرها على ذلك.
وهنا تبدأ أخطر مراحل عصر التزييف: حين يتحول الإنسان من كائن يمتلك الإرادة… إلى “بيانات قابلة للاستثمار”.
إن معركة المستقبل ليست على النفط، ولا على السلاح فقط… بل على: من يملك انتباه الإنسان.
ومن يملك انتباهك طويلًا… قد يملك القدرة على إعادة تشكيلك بالكامل.
وفي النهاية، ربما لم يعد السؤال: “ما الذي تستهلكه كل يوم؟”
بل: “من الذي يستهلكك أنت دون أن تشعر؟”