الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
واشنطن والكرد.. تحالف الضرورة أم ورقة الضغط؟!

بواسطة azzaman

واشنطن والكرد.. تحالف الضرورة أم ورقة الضغط؟!

عطا شميراني

 

في كل مرة يتحدث فيها " دونالد ترمب " الرئيس الأمريكي عن “تسليح الكرد”، يعود ملف شديد الحساسية إلى واجهة النقاش السياسي في الشرق الأوسط. فهذه التصريحات لا تُقرأ بوصفها مجرد كلمات عابرة، بل باعتبارها رسائل سياسية تحمل أبعاداً إقليمية ودولية معقدة. لذلك تتكرر الأسئلة ذاتها: لماذا يصر ترامب على إعادة فتح هذا الملف؟ ولماذا يربط أحياناً بين الكرد ومواجهة ؟ وهل تنظر واشنطن إلى الكرد باعتبارهم حليفاً استراتيجياً حقيقياً، أم مجرد ورقة ضغط تُستخدم عند الحاجة ثم توضع جانباً عندما تتغير الحسابات؟

الحقيقة أن “الورقة الكردية” تُعد من أكثر الملفات حساسية وتشابكاً في الشرق الأوسط، لأنها ترتبط مباشرة بتوازنات الأمن والجغرافيا والسياسة في المنطقة. فالكرد منتشرون في العراق وسوريا وتركيا وإيران، وأي حديث أمريكي عن دعمهم أو تسليحهم يثير قلقاً فورياً لدى هذه الدول، خصوصاً لدى طهران وأنقرة، اللتين تنظران إلى أي نفوذ كردي متصاعد باعتباره تهديداً محتملاً لأمنهما القومي.

خلال الحرب ضد داعش، لعبت قوات البشمركة الكردیة في دوراً محورياً في مواجهة التنظيم. ففي وقت انهارت فيه قطعات عسكرية عديدة أمام تمدد داعش، استطاعت البيشمركة أن تحافظ على خطوط الدفاع وأن تتحول إلى شريك ميداني مهم للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. ولهذا قدمت واشنطن دعماً عسكرياً وتدريباً وتسليحاً للقوات الكردية، ليس بدافع العاطفة أو الالتزام الأخلاقي، بل لأن الكرد كانوا قوة منظمة وفعالة على الأرض في معركة معقدة ومكلفة.

لكن العلاقة بين واشنطن والكرد لم تكن يوماً علاقة مستقرة أو خالية من الحسابات. فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تحكمها المصالح قبل أي شيء آخر. الولايات المتحدة قد تدعم طرفاً في مرحلة معينة، ثم تعيد ترتيب أولوياتها عندما تتغير الظروف الإقليمية أو الدولية. ولهذا يحمل الكرد ذاكرة سياسية مليئة بالتجارب المتناقضة مع واشنطن؛ دعمٌ في أوقات، وتراجع أو صمت في أوقات أخرى.

ترامب، المعروف بأسلوبه الإعلامي المختلف عن السياسيين التقليديين، يتعامل مع هذا الملف بطريقة استعراضية أحياناً. فهو يكرر عبارات مثل: “نحن سلحنا الكرد”، أو “أعطيناهم أسلحة”، أو “اختفت الأسلحة”، وكأنه يريد دائماً تذكير الجميع بأن واشنطن ما تزال تمتلك مفاتيح التأثير في المنطقة. هذه التصريحات ليست عفوية بالكامل، بل تحمل رسائل متعددة الاتجاهات!

الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل الأمريكي. ترامب يحاول دائماً تقديم نفسه بوصفه الرجل القوي الذي يعرف خفايا الشرق الأوسط، والقادر على اتخاذ قرارات حاسمة. لذلك يستخدم ملف الكرد أحياناً لمهاجمة الإدارات السابقة أو المؤسسات العسكرية والأمنية الأمريكية، وكأنه يقول إن الولايات المتحدة أنفقت مليارات الدولارات وسلّحت أطرافاً عديدة دون رقابة كافية أو رؤية استراتيجية واضحة!

أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى إيران. فمجرد تذكير طهران بأن واشنطن تمتلك علاقات قوية مع الكرد يمثل نوعاً من الضغط السياسي والنفسي. إيران تنظر تاريخياً بحذر شديد إلى أي دعم خارجي للقوى الكردية، لأنها تخشى أن يتحول هذا الدعم إلى عامل يؤثر على توازناتها الداخلية والإقليمية. ولهذا فإن أي حديث أمريكي عن “تسليح الكرد” يُقرأ في طهران بوصفه رسالة نفوذ أكثر من كونه تصريحاً إعلامياً عادياً.

في المقابل، يدرك الكرد أن العلاقة مع الولايات المتحدة مهمة للغاية، لكنها ليست علاقة يمكن الركون إليها بالكامل. فواشنطن دعمت الكرد في مراحل عديدة، لكنها في لحظات أخرى فضّلت التفاهم مع بغداد أو ، بل وحتى الانسحاب من بعض المناطق الحساسة عندما تعارضت المصالح الأمريكية الكبرى مع الطموحات الكردية!

لذلك فإن التعامل الكردي مع التصريحات الأمريكية يتم غالباً بحذر وواقعية. فمن جهة، تمنح هذه التصريحات للإقليم أهمية سياسية وإعلامية، وتؤكد أن الكرد ما زالوا رقماً مهماً في معادلات المنطقة. لكنها من جهة أخرى قد تثير حساسيات داخلية وإقليمية، خصوصاً عندما تستغل بعض القوى العراقية هذه التصريحات لاتهام الكرد بالارتهان للمشروع الأمريكي أو العمل خارج إطار الدولة العراقية!

كما أن أنقرة تراقب بعناية أي حديث أمريكي عن تسليح الكرد، بسبب مخاوفها المرتبطة بـ ، وهو ما يجعل الملف أكثر تعقيداً وتشابكاً. فتركيا، رغم علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن، لا تزال ترى أن أي دعم عسكري كردي قد ينعكس على أمنها الداخلي.

في النهاية، يمكن القول إن العلاقة بين واشنطن والكرد ليست تحالفاً قائماً على الثقة المطلقة، ولا عداءً ثابتاً، بل هي علاقة تحكمها الضرورات السياسية والمصالح المتبادلة. الكرد بالنسبة للولايات المتحدة يمثلون حليفاً مهماً في بعض المراحل، وورقة ضغط إقليمية في مراحل أخرى. أما بالنسبة للكرد، فإن الدعم الأمريكي يبقى مهماً، لكنه لا يلغي حقيقة أن السياسة الدولية لا تُبنى على العواطف، بل على موازين القوة والمصالح المتغيرة!


مشاهدات 167
الكاتب عطا شميراني
أضيف 2026/05/04 - 3:51 PM
آخر تحديث 2026/05/05 - 6:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 253 الشهر 4042 الكلي 15249236
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير