المثقف والسلطة… جدلية التأثير والقدرة المحيدة
حمدي العطار
مقدمة
في سياق البحث المتواصل عن دور المثقف في زمن التحولات، يظل سؤال العلاقة بينه وبين السلطة من أكثر الأسئلة إلحاحا وتعقيدا، لما ينطوي عليه من تقاطعات بين المعرفة والقوة، وبين الوعي والتأثير. ومن هذا المنطلق، احتضن اتحاد الأدباء جلسة فكرية سعت إلى تفكيك هذه العلاقة واستنطاق أبعادها العميقة.
*تجاوز التصوير التقليدي
أقام منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، يوم السبت 11 نيسان 2026، جلسة فكرية بعنوان (المثقف والسلطة / القدرة المحيدة)، حاضر فيها الناقد د. محمد غازي الأخرس، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين.
استهل الجلسة مديرها د. جاسم الخالدي، مؤكدا أن العنوان يتجاوز التصور التقليدي القائم على ثنائية الصراع بين المثقف والسلطة، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بامتلاك المثقف للمعرفة مقابل محدودية تأثيره، في حين تمتلك السلطة القدرة على الفعل دون أن تسندها دائما رؤية نقدية واعية.
من جانبه، أشار الأخرس إلى أن اشتغاله على ثيمة المثقف والسلطة لم يقتصر على بعدها السياسي، بل امتد إلى تمظهراتها الاجتماعية والاقتصادية والدينية مؤكدا أن هذه العلاقة تظل من أكثر العلاقات التباسا في الفكر الحديث. فالمثقف الذي يفترض أن يكون قوة نقدية، قد يتحول أحيانا إلى جزء من منظومة السلطة، مساهماً في ترسيخها بدل مساءلتها.
وتوقف المحاضر عند مفهوم "تحييد المثقف"، بوصفه عملية تعطيل لفاعليته وتحويله من صوت نقدي مستقل إلى فاعل مروض داخل منظومة السلطة، مميزا بين "الحياد" بوصفه خيارا ذاتيا، و"التحييد" كإجراء مفروض يفرغ المثقف من دوره.
بدوره، أوضح رئيس المنتدى د. عبد العظيم السلطاني أن هذه الجلسات تنطلق من رؤية تهدف إلى تحليل مكونات الثقافة العراقية وفتح حوارات نقدية تسهم في تطوير المشهد الثقافي ومواجهة تحدياته.
وقد شهدت الجلسة مداخلات متعددة ركزت على تراجع تأثير المثقف في الفضاء العام مقابل صعود سلطات بديلة قادرة على تشكيل الوعي الجمعي.
*في مداخلتي الفكرية، طرحت رؤية تؤكد أن علاقة المثقف بالسلطة ليست علاقة أحادية أو بسيطة، بل جدلية معقدة تتداخل فيها القيم والمسؤوليات. فالمثقف، بطبيعته، لا يمكن أن يكون محايدا بشكل مطلق، لأنه معني بالحقيقة وصناعة الوعي.
ورأت المداخلة أن هذه العلاقة تتخذ مسارين: الانحياز أو المعارضة، لكن كليهما ينبغي أن يخضع لمعيار أخلاقي، يجعل المثقف مع السلطة حين تقترب من الحق، وضدها حين تنحرف عنه، ليتحول بذلك إلى رقيب أخلاقي وضمير حي، لا مجرد تابع أو مروج.
كما أكدت أن التاريخ الحديث يبرهن على أن المثقفين كانوا في قلب التحولات الكبرى يسهمون في إشعال الثورات وصياغة خطابها، وفي الوقت ذاته يقفون في صفوف معارضيها، ما يعكس دورهم الحيوي في صناعة التغيير وتوجيهه.
وأشارت المداخلة إلى أن المثقف يمثل نمط حياة مقلقا للسائد، كونه يكشف المسكوت عنه ويعيد تشكيل الوعي، وهو ما تجسد في نماذج أدبية عالمية مثل أعمال إيفان تورغينيف وغوستاف فلوبير وجيمس جويس.
كما استحضرت المداخلة أطروحات عالم الاجتماع سي رايت ميلز، الذي يرى أن المثقف المستقل يظل من القلائل القادرين على مقاومة التنميط وكشف الزيف في ظل هيمنة الإعلام.
وخلصت إلى أن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في قدرة المثقف على الحفاظ على استقلاله والتمسك بالحقيقة دون الانزلاق نحو السلطة أو الوقوع في فخ الشعبوية لأن فقدان هذا التوازن يعني تحوله من أداة للتغيير إلى جزء من الأزمة.
*الأسئلة المطروحة في الجلسة
كيف يمكن تعريف المثقف اليوم؟ وهل تغير دوره؟
هل الحياد موقف ممكن، أم أنه شكل من أشكال الانحياز؟
متى يكون انحياز المثقف للسلطة مشروعا، ومتى يتحول إلى تبرير؟
هل المثقف صانع للتغيير أم تابع له؟
هل ما يزال قادرا على كشف الزيف في ظل هيمنة الإعلام؟
كيف يحافظ المثقف العربي على استقلاله دون الوقوع في فخ السلطة أو الشعبوية؟
*خاتمة
تكشف هذه الجلسة أن إشكالية المثقف والسلطة لم تعد فقط ثنائية تقليدية بل تحولت إلى اختبار دائم لفاعلية المثقف وضميره. فبين المعرفة والقدرة، يظل التحدي الحقيقي هو في استعادة دور المثقف كقوة نقدية قادرة على التأثير لا كصوتٍ محيد في هامش الفعل.