الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحرب الأمريكية الإيرانية .. نيران بلا أفق

بواسطة azzaman

الحرب الأمريكية الإيرانية .. نيران بلا أفق

قتيبة آل غصيبة

 

في الثامن والعشرين من شباط 2026، اختُرق حاجز كان يبدو صامداً منذ عقود، عندما شنّت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضربات مشتركة واسعة النطاق على إيران؛ معلنتين هدف تغيير النظام والقضاء على برنامجه النووي الصاروخي، لم يكن ذلك مجرد تصعيد في سلسلة متوترة طويلة؛ بل كان فتح باب لم يُغلق حتى اليوم؛ وإطلاق شرارة تتقاذفها رياح المنطقة في كل اتجاه، فقد أُسفرت الضربة الأولى عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والمسؤولين الإيرانيين؛ فأطلقت طهران في المقابل مئات الصواريخ والمسيّرات باتجاه الكيان الصهيوني وقواعد أمريكية في المنطقة؛ وخلّفت الضربات المتبادلة آلاف القتلى في إيران ولبنان والكيان الصهيوني ودول الخليج؛ فضلاً عن نزوح ما يزيد على سدس سكان لبنان، فالحرب اليوم؛ في يومها الخامس والثلاثين؛ ماضية دون أفق واضح.

والجديد في هذه المواجهة ليس حجمها وحده؛ بل طبيعة الاستراتيجية الإيرانية في مواجهتها للهجوم، في الجولات السابقة التزمت طهران مبدأ الردّ المحسوب؛ ذلك الردّ المقيَّد بسقف لا يتجاوز رسالةً سياسية، غير أن المشهد تبدّل جوهرياً؛ فقد تخلّت إيران هذه المرة عن منطق الاستجابة المدرسة؛ «وتبنّت استراتيجية التصعيد المتسارع» ؛  موسّعةً نطاق الحرب ورافعةً من رهاناتها على المستوى الإقليمي والعالمي، فحساباتها تبدو مبنيةً على فرضية محددة: «إيصال عتبة الألم إلى مستوى يُرغم واشنطن على التراجع، عبر استهداف القواعد الأمريكية والبنية التحتية الخليجية؛ ورفع أسعار الطاقة؛ وإدخال دول الخليج في دائرة الضرر المباشر؛ وهي تعلم أن ذلك سيُخسرها مكاسب انفتاحها الإقليمي الحذر في السنوات الأخيرة، غير أنها تراه ثمناً لا مناص منه كي يبقى النظام واقفاً على قدميه»، في المقابل؛ فإن صانع القرار الأمريكي يدرك أن هذه فرصة نادرة: « فإيران في أضعف حالاتها منذ عقود؛ وقد تآكلت قدراتها العسكرية بفعل الضربات الصهيونية المتتالية بين عامَي 2024 و2025، فضلاً عن احتجاجات داخلية قوبلت بعنف دموي في مطلع 2026 أفضت إلى سقوط آلاف القتلى

في ضوء هذه المعطيات تتشكّل ثلاثة مسارات متوقعة تتنازع على رسم ملامح المرحلة المقبلة:

.المسار الأول: وهو أكثرها ترجيحاً هو استمرار حرب الاستنزاف؛ من خلال

اقتصاد البلاد

«تصعيدٌ متدرّج» تتخلله فترات من الهدوء النسبي مع غياب أي أفق للخروج من الأزمة؛ حيث كلا الطرفين يتقدّم ويتراجع؛ والمباحثات تُعلَن ثم تُنفى، «ففيما يؤكد ترامب أن المفاوضات تجري بشكل مثمر ؛ يُصرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن الثقة مع واشنطن معدومة تماماً»، فهذا المسار يُنهك إيران اقتصادياً بالدرجة الأولى؛ «إذ حذّر الرئيس الإيراني بزشكيان من أن اقتصاد البلاد قد ينهار في غضون ثلاثة إلى أربعة أسابيع إن لم يُتوصَّل إلى وقف إطلاق النار؛ فهو يتصادم مع المتشددين العسكريين حول إدارة الحرب»، فمن المؤكد أن مسار الاستنزاف هذا يعني الضمور على الطرفين، فالولايات المتحدة أيضاً تدفع ثمناً في أسعار الطاقة ومصداقيتها الدولية وأرواح جنودها، وهي تُدرك أن طول أمد الحرب يُعقّد مساعي إعادة فتح مضيق هرمز المغلق جزئياً والمُهدِّد لحركة النفط والغاز العالمية.

2. المسار الثاني: وهو المسار التفاوضي؛ حيث قدّمت الولايات المتحدة إطاراً للتسوية عبر وساطة باكستانية يتضمن خمس عشرة نقطة؛ وأبدى مبعوث ترامب ستيف ويتكوف تفاؤلاً حذراً؛ قائلاً: «إن ثمة احتمالات قوية إن أُقتنعت إيران بأن هذه لحظة مفصلية ولا خيار لها سوى المزيد من الموت والدمار»، بيد أن هذا المسار يصطدم بعقبة بنيوية: « فالشروط الأمريكية تتضمن التخلي عن التخصيب النووي وإعادة فتح مضيق هرمز»، وهي شروط يرفضها المتشددون في طهران علناً وبحدّة؛ « فرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف صرّح بأن إيران لن تُرغم على الخضوع»، إن الفجوة بين الخطاب التفاوضي الأمريكي وإنكار إيران لوجود أي حوار تكشف عن أن ما يجري قد يكون مسرحيةً لكسب الوقت من الجانبين، أو أن ثمة قنوات سرية لا تُجاهر بها طهران خشية ردود الفعل الداخلية.

3. المسار الثالث: انهيار الدولة الإيرانية وما يعقبه؛ هو الأخطر على الإطلاق، إذ يحذر  المحللون في مراكز الفكر الغربية بصوت واحد «من أن إيران هدف صعب الاختراق، وأن مقتل خامنئي لا يحسم المشهد بل يفتح فراغاً في السلطة سيتسارع الحرس الثوري إلى ملئه» ، والأرجح في هذا المسار هو حكم عسكري في إيران يجعل أزمة واشنطن معها أشدّ تعقيداً، حيث يُدرك الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربي على حدٍّ سواء؛ « أن إيران المنهارة تعني كارثة استراتيجية؛ فعندما تصبح ايران دولة فاشلة بحجمها وتاريخها وتعقيداتها الطائفية والعرقية على حدود المنطقة؛ فإنها تشكل خطرا على دول المنطقة ، والأسوأ من ذلك أن انتهاء النظام الإيراني يعني بقاء الكيان الصهيوني بلا منافس إقليمي، وإن هذا المسار  لا تُرحّب به دول الخليج رغم توافقها الحالي مع أهداف واشنطن في هذه الحرب، يُضاف إلى ذلك المتغير الكردي والقومي داخل إيران؛ إذ تُغازل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني جماعات المعارضة في شمال شرق البلاد؛ وهو ما يُعمّق مخاوف بغداد وأنقرة ويُهدد بتوليد موجة زلازل جيوسياسية تمتد عبر الهلال الخصيب.

حرب عالمية

وفي خضمّ هذه السيناريوهات يطرح كثيرون سؤالاً مشروعاً: «هل يقف العالم على أعتاب حرب عالمية ثالثة؟»، يستوجب السؤال تمييزاً دقيقاً بين الحرب الإقليمية ذات الامتدادات الكونية؛ والحرب العالمية بمعناها التقليدي الذي يستوجب انخراط القوى الكبرى في مواجهة مباشرة، فالمعطيات الراهنة تجعل من الصراع؛ «حرباً إقليمية متوسعة لا حرباً عالمية بالمعنى الحرفي؛ لأن روسيا والصين لم تنتقلا بعد إلى الانخراط العسكري المباشر رغم إدانتهما اللفظية؛ والتحالف الأطلسي يشارك دفاعياً بجانب الولايات المتحدة وبصورة انتقائية لا هجومية» ، إلا أن المؤشر الأخطر لا يكمن في الميدان العسكري، بل في الاقتصاد العالمي؛» إذ أعلنت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا أن كل ارتفاع بنسبة عشرة بالمئة في أسعار الطاقة طوال عام 2026 سيزيد معدل التضخم العالمي بنصف نقطة مئوية تقريباً»، وإغلاق مضيق هرمز يعني تعطيل حركة النفط والغاز التي تمسّ مصالح الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان مجتمعةً، وعند تلك النقطة قد تُحسم حسابات القوى الكبرى من جديد،» وقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش صراحةً من خطر انزلاق الصراع نحو حرب أوسع» ، وما يجعل هذا التحذير جدياً؛ «أن الحروب الكبرى نادراً ما تُعلَن بقرار واعٍ؛ بل تتسلسل عبر سلسلة من الأحداث التي لا يملك أيٌّ من أطرافها السيطرة الكاملة عليها.

إن المسار الأرجح اليوم؛ في ضوء موازين القوى الراهنة، «هو استمرار الاستنزاف حتى ينهار أحد الطرفين تفاوضياً أو اقتصاديا»؛ أو تتّسع دائرة المتضررين دولياً لدرجة تُرغم الأطراف على قبول وقف النار»، صحيح أن إيران مُنهكة اقتصادياً ومستنزفة عسكرياً ولا تملك نفساً طويلاً؛ لكنها تملك ورقة مضيق هرمز وورقة وكلائها الإقليميين؛ فهما ورقتين للضغط لا يُستهان بهما، «وإن احتمال التحوّل نحو حرب عالمية يبقى قائماً لكنه ليس المسار الراجح؛ طالما لم تصطدم مصالح القوى الكبرى مباشرةً في منطقة الطاقة، ولا سيما في مضيق هرمز».

 فهذا هو الخط الفاصل الحقيقي بين حرب إقليمية واسعة وكارثة كونية، في نهاية المطاف؛ فإن هذه الحرب ليست حرب إيران وأمريكا والكيان الصهيوني وحدها؛ إنها رهانٌ على شكل النظام الإقليمي وطبيعة موازين القوى لعقود قادمة، ومن يصمد حتى آخر جولة، يكتب خريطة الشرق الأوسط المقبل.

وأختم بقول الشاعر زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة:

وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقتُمُ...

        وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ.

مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيْمَةً...

     وَتَضْرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ

فَتَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَا...

       وَتَلْقَحْ كِشَافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتئِمِ.

والله المستعان....


مشاهدات 49
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/04/11 - 11:09 PM
آخر تحديث 2026/04/12 - 1:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 80 الشهر 9403 الكلي 15227476
الوقت الآن
الأحد 2026/4/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير