الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحيوان وأنا

بواسطة azzaman

الحيوان وأنا

أمجد توفيق

 

لا أستطيع أن أنكر أن الفكرة التي تتحدث عن العمر وتختصره بمدى إحساس الشخص به، لاقت تعاطفا من قبلي، أنا الرجل الذي يصارع العقد الثامن من عمره، وأنا الأرمل الذي فقد شريكة حياته قبل ثلاث سنوات، وأنا من ترك بيته في المدينة ولجأ إلى مزرعة ، حيث أعيش حياتي بهدوء وتأمل. لم يكن همي أن أتحول إلى فأر كتب ، ولا تعنيني المتابعات السياسية أو الثقافية، أنا منهمك بحياتي الخاصة، أحاول تأثيث زمن يومي بما لا يترك ظلا لم أختره في قلبي. كنت أمنح التأمل قيمة تشبه لمعان عيني فاتنة تحبها في حفلة، لمعان تحس به أنت فقط وهذا ما يمنحه الألق الذي أزعمه. زواري قليلون، وعلي أن أعترف أن زيارة زميل أو صديق تسعدني في وقت ما ، والزيارة نفسها تزعجني وأتمنى انتهاءها في وقت آخر، وحين أكون منزعجا أحاول جهدي أن أكون كريما مضيافا، ربما يكون الأمر تكفيرا عن إحساس بالذنب أجهل أسبابه. كعادتي، نهضت صباح اليوم، كان علي أن أطعم حيواناتي.

أطعمت القطط، والدجاج، وقدمت وجبة سخية لكلبي الوفي، ثم بدأت أمشي في ممر طويل تنتشر على جانبية أشجار متنوعة.

فجأة، أحسست أنني تجاهلت حيوانا آخر يعيش معي، حيوانا يعاني بصمت عندما يجرجر خطواته، ويحاول أن يؤدي أعمالا وحركات تعينه على تأكيد صداقته وحبه لي، لكن خيانات الجسد تفقده القدرة ، فتضيء عيناه بلون يشبه العتاب، ويشبه احتضار فكرة تعجز اللغة عن الإحاطة بها.

هذا الحيوان هو أنا.

وعلي أن أهتم به وأطعمه كما أفعل تماما مع الكلب والقطط والدجاج، وليس مقبولا أن أهمل حاجاته مهما كان صمته بليغا أو رافضا

حيواني العجوز يتيح لي أن أتمتع بإحساس أنني شاب يفيض نشاطه ، ويستطيع الاهتمام بحيواناته جميعا.

من الصعب جدا أن يشعر أي شاب بالمعنى العميق لخيانات الجسد، ومن الصعب فهم كيف يتحول المرء إلى اثنين عجوز يتداعى ، وشاب يسهر على راحته واحتياجاته.  أشعر أنني على موجة جديدة، فكرت: هل لهذا علاقة من نوع ما بالفكرة التي تتحدث على أن العمر هو الإحساس به.

أظنها فكرة مناقضة، لكن اللغة تستطيع إذابة التناقض لمصلحة تأكيد القول، وإذا كان الأمر كذلك فكل شيء ممكن تماما.

يمكن أن أسعد بزيارة صديق وأنزعج من زيارته في الوقت عينه ، وهو أمر يقتضي تطويرا لمسألة الزمن واختلافه في الحالتين.

ويمكن أن يكون إحساسي بأنني اثنان عجوز وشاب، إحساس طبيعي قدر كونه يوفر أسبابا مقنعة لزيارة طبيب نفسي، وإذا ما فكرت يوما بزيارة هذا الطبيب فأغلب الظن بأنني أفكر في وقت ذهبي لممارسة السخرية إلى أقصاها

عدت إلى بيت المزرعة، واتجهت إلى المطبخ لأعد فطورا كريما لحيواني العجوز ، أما أنا فيمكنني التنزه وحيدا تاركا حيواناتي تتأمل ظلي وهو يبتعد.

اديب وروائي


مشاهدات 36
الكاتب أمجد توفيق
أضيف 2026/04/05 - 3:16 PM
آخر تحديث 2026/04/06 - 1:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 83 الشهر 4357 الكلي 15222430
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير