الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الطب بين الرسالة والسوق

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

الطب بين الرسالة والسوق

ياس خضير البياتي  

 

لم يكن الطب يومًا مهنةً عادية، بل كان أقرب إلى عهدٍ أخلاقي بين إنسانٍ ضعيف وآخر يملك المعرفة؛ بين ألمٍ يبحث عن يدٍ رحيمة، وعلمٍ يفترض أن يكون في خدمة الحياة لا في سوقها. لكن شيئًا ما تغيّر. لم يعد الطبيب، في كثير من المشاهد، ذلك الإصغاء الهادئ لنبض المريض، بل صار — في حالاتٍ مؤلمة — جزءًا من منظومةٍ تجارية تُقاس فيها الصحة بلغة الأرقام.

لقد انزلقت المهنة، عند بعضهم، من قدسيتها إلى حسابات الربح، حتى بدا الطبيب كأنه تاجرٌ لسلعٍ بشرية، لا وسيط شفاء. صرنا نرى، بوضوحٍ لا لبس فيه، خيوطًا خفية من الاتفاقات: بين طبيبٍ وصيدلي، بين عيادةٍ ومختبر، بين تشخيصٍ وصورة أشعة. دائرة مغلقة يتحرك فيها المريض كأنه رقم، لا كائنٌ له خوفه وألمه وقلقه.

وفي زحمة هذا المشهد، تراجعت الجوانب الإنسانية. لم يعد الوقت ملكًا للمريض، بل صار موزعًا على طوابير من “الزبائن”. يجلس المريض دقائق معدودة، يخرج منها بوصفةٍ قد تكون أطول من الحوار الذي لم يحدث أصلًا. تقارير لا تُقرأ بعمق، وأسئلة لا تجد من يصغي لها، لأن خلف الباب من ينتظر، ولأن ساعة الربح لا تتوقف. الجشع، في بعض صوره، لم يعد بعيدًا عن جشع تاجر الباقوليات، سوى في اختلاف الواجهة.

لهذا، لم أعد أؤمن كثيرًا بالأسماء الرنانة، ولا بالبريق الذي يحيط ببعض الأطباء. فقد وجدت، في تجارب متكررة، أن الشهرة لا تعني دائمًا إنسانية، وأن بعضهم خارج “التغطية الإنسانية” فعلًا؛ عيونهم على النقود وبطاقات التأمين الصحي أكثر من انشغالهم بقلق المريض.

لكن الصورة ليست سوداء بالكامل. في الزوايا الأقل ضجيجًا، يظهر جيلٌ آخر؛ أطباء شباب، أقل شهرة، وأكثر صدقًا. يقرأون التحاليل بعناية، يشرحون لك بلطفٍ ما الذي يحدث في جسدك، يهدئون خوفك قبل أن يصفوا دواءك، ويمنحونك وقتًا لا يقل قيمة عن العلاج نفسه. بعضهم يعطيك رقمه الشخصي، لا بدافع المجاملة، بل لأن المهنة عنده لا تنتهي بخروجك من العيادة.

وقد كانت لي تجربة شخصية حاسمة في هذا السياق. فقد التقيت بطبيبٍ شاب في الإمارات، كان يعمل في أحد المراكز الصحية المعروفة في الفجيرة، وهو اليوم يواصل مسيرته المهنية في كندا. وعلى الرغم من قِصر تجربته آنذاك، استطاع أن يلتقط في تقاريري ما لم ينتبه له أطباء “كبار”. كانت تفاصيل صغيرة، لكنها لو أُهملت لتحوّلت إلى مشكلة صحية خطيرة. يومها أدركت أن الطب لا يُقاس بعدد السنوات فقط، بل بيقظة العقل، ونزاهة الضمير، والقدرة على الإصغاء لما لا يُقال بين سطور الفحوصات.

ومنذ ذلك الحين، صرت أبحث عن الطبيب الذي يفهم قبل أن يصف، ويشرح قبل أن يكتب، ويهتم قبل أن يحاسب. ولهذا، كثيرًا ما أستعين برأي الدكتور جميل نوفل جميل؛ ذلك الطبيب الذكي الأخلاقي الذي ينتظره مستقبل كبير، وهو يراكم خبرته ويعمّق تجربته في مستشفيات كندا. أراسله ليفسّر لي تقريرًا، أو يوجّهني إلى خيارٍ أدق، سواء كنت في العراق أو في الإمارات. لأن الثقة، حين تُبنى على معرفةٍ حقيقية وروحٍ إنسانية، تختصر نصف الطريق إلى الشفاء.

هكذا يعود الطب إلى معناه الأول: علاقة ثقة، لا صفقة. فالمريض، في جوهره، لا يبحث عن دواءٍ فقط، بل عن متابعة إنسانية وطمأنينة تسند ضعفه وتخفف قلقه. وإذا وجد طبيبًا يمنحه هذا الشعور، فقد نال نصف العلاج… قبل أن يفتح علبة الدواء.

 

yaaas@hotmail.com


مشاهدات 49
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/04/05 - 4:16 PM
آخر تحديث 2026/04/06 - 12:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 29 الشهر 4303 الكلي 15222376
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير