قراءة في لوحة موسيقى الرافدين للدليمي
دمشق - عامر الخطيب
عندما تتماهى خبرة الفنان مع عبق التاريخ، وتتراقص الألوان على إيقاع الحضارة، تتجلى لنا أعمال فنية لا تكتفي بمتعة البصر، بل تتجاوزها لتلامس شغاف الروح وتوقظ الذاكرة الجمعية. هذا ما نلمسه بوضوح في لوحة «موسيقى الرافدين» للفنان العراقي رياض إبراهيم الدليمي، التي تأتينا بتقنية الفن الرقمي، لتثبت أن الأصالة يمكن أن تتجدد وتتألق في حلة معاصرة.إن المتأمل في هذه اللوحة يجد نفسه أمام مشهد بانورامي يختزل قروناً من العطاء والإبداع. تتصدر اللوحة زقورة سومرية شامخة، لا تزال تحتفظ بهيبتها رغم مرور الأزمان، وكأنها حارسة أمينة على إرث بلاد الرافدين العظيم، هذه الزقورة ليست مجرد بناء معماري، بل هي رمز لمعراج الروح والتواصل بين الأرض والسماء، ومحور ارتكاز لحضارة علّمت البشرية أبجديات الكتابة والفلك والقانون، إنها تجسيد حي لمقولة الحكماء: «إن الطبيعة هي المعلم الأول للإنسان»، فكيف إذا كانت هذه الطبيعة قد احتضنت أقدم الحضارات؟ تنساب الأهوار العراقية في مقدمة اللوحة، بمياهها الهادئة التي تعكس زرقة السماء ودفء الشمس الغاربة، مشكلةً فسيفساء لونية ساحرة، وفي قلب هذا المشهد المائي، يظهر قارب تقليدي يحمل رجلًا وامرأة، يجدفان بهدوء، ويخبران المتلقي أنهما جزء لا يتجزأ من هذا النسيج التاريخي والطبيعي، ليروي هذا القارب انه ليس مجرد وسيلة نقل، بل هو استعارة لرحلة الحياة، رحلة إنسان الرافدين عبر العصور، محافظاً على قوته وبساطته وعمق ارتباطه بأرضه ومائه، إنها دعوة بصرية للتأمل في العلاقة الأزلية بين الإنسان وبيئته، وكيف تتشكل الروح والعاطفة الفردية في هذا السياق. لقد أبدع الدليمي في استخدام وتوزيع الألوان الدافئة التي تسيطر على اللوحة، من درجات البرتقالي والأصفر الذهبي في السماء والشمس، إلى الأخضر الزمردي في النباتات المائية، والبنيّات الترابية في الزقورة والأكواخ، هذه الألوان النابضة بالحياة، تعكس حرارة بلاد الرافدين وشمسها المتوهجة، وتمنح اللوحة إحساساً بالدفء والأصالة، وتسري في أحاسيس ومشاعر الناظر وبصيرته، لكثرة ما تحمل من دلالات نفسية وروحية عميقة ، تتجلى باللون الأصفر المتضمن الوعي والبعث الروحي، والأخضر الحامل للثقة والراحة، يتماوجان بهدوء أمام زهرة اللوتس المطمئنة بشفافيتها لتتناغم كلها وتخلق حالة من السكينة والتأمل، وكأنها تعزف سيمفونية بصرية سرمدية أبدية، سيمفونية حضارة الرافدين الخالدة التي لا يمكننا إغفال بعدها الموسيقي الذي توحي به اللوحة، من خلال تكوينها الفني، بتناغمه وتوازنه، بما يشبه إلى حد كبير العزف على مقام البيات أو مقام الصبا، بما يحملانه من شجن عميق وحنين إلى الماضي، ممزوجاً بأمل متجدد. فالبيات، بمساحاته اللحنية الواسعة، يعكس اتساع سطوح مياه وأرض الأهوار وخصبها وعمقها التاريخي، بينما الصبا، بشجنه العذب، يجسد روح الصمود والإبداع «بغبطة» خالطة بين الحزن والفرح، تماماً كمسيرة هذه الحضارة العريقة. إن «موسيقى الرافدين» للدليمي ليست مجرد لوحة رقمية، بل هي قصيدة بصرية، تروي حكاية أرض وشعب، تدعونا إلى الغوص في أعماق تراثنا الثقافي. إنها عمل فني يثبت أن الفن رسالة اجتماعية وإنسانية، تتجاوز الحدود والقوالب، وتسعى دائماً نحو قيم تُشتهى ومفاهيم تُستحب يكون للفنان التشكيلي دائما الدور الأساسي في إنشائها. دامت همم المبدعين الذين يخترقون ظلمة الليل ليعجنوا مع طلوع الفجر معاني الألوان وجمال إيقاعها بخميرة تجاربهم ، ويرسلونها أطباقاً و أذواقاً بصرية ومؤثرات نفسية في أعماق المخلوقات.