دموع لم تنتهِ
ثامر محمود مراد
في صباح البصرة، الشمس تتسلل بين الزوايا الضيقة كأنها خائفة من أن تلمس المدينة الممزقة. الشوارع كانت صامتة، ليس من السلام، بل من خوف الفضيلة المزيفة، صمت القانون المختبئ وراء شعارات مزخرفة عن المدينة المقدسة، صمت كل من يظن نفسه على حق وهو يغلق عينيه عن الوحشية.
الفتاة، طفلة البصرة البريئة، تمشي على الأرصفة كما تمشي زهرة وحيدة في صحراء من الرغبات السوداء. لم تكن تعرف أن كل عين تراها لن ترى البراءة، بل جرمًا، ضحكة محظورة، وجودًا غير مرغوب فيه.
وحوش البصرة تجلس على الأرصفة، تبتسم ابتسامة بلا روح، تلتهم كل شعور إنساني. أصابعها الملطخة بالظلام، عيونها المليئة بالشر، تحاصر الفتاة، تحاول تمزيق كل شعاع أمل صغير.
صرخت الفتاة بأعلى صوتها، محاولة أن يسمعها أحد، محاولة أن يتحرك قلب بشري واحد. لكن المدينة صمتت، الجدران صمتت، الفضيلة صمتت، والقانون وقف عاجزًا، يراقب المشهد كما لو أنه شاهِد على مأساة ليست له.
أحدهم قال: (كانت سافرة)، وقال آخر: (احتفلت بعيد رأس السنة)، وقال آخر: (الغرب غزا قلوبنا)، وكل هذه الكلمات أصبحت أدوات لتبرير الوحشية، لتغليف القبح بثوب الفضيلة. الفتاة لم تخطئ، لم تطلب أكثر من الحياة، لكن الجميع اختار أن يكون وحشًا، أن يشارك في الجريمة بصمت، أو بابتسامة خبيثة، أو بعذر جاهز.
كل شارع أصبح غابة، كل رصيف حديقة للوحوش، كل زاوية مصيدة. البصرة، لؤلؤة العراق التي كانت مدينة الثقافة والفن والحرية، تحولت إلى ساحة مأساة، مكان يبتلع الأطفال والأحلام والضحكات، ويترك الصمت والعار والدمعة.
الفضيلة المزيفة رقصت على جثث أحلامها، تحت أضواء الشعارات المزخرفة، بينما الحقيقة كانت عارية، تكاد تموت تحت أقدام الجميع. لم يعد المهم من يخطئ، بل من يستطيع البقاء حيًا وسط الغابة، وسط صمت الفضيلة المتشددة، وسط الرذيلة المعلنة في صمت الجماهير.
القانون عاجز، القبيلة قوية، الحزب ممتد، والأعذار جاهزة لتغطية الوحشية. كل شيء أصبح لعبة وحشية، كل خطوة مخاطرة، كل حلم عبئًا.
ومن بين الظلال تتوهج أسماء نساء البصرة اللواتي كن ينيرن المدينة: سيتا هاكوبيان، شوقية، ديزي الأمير، سميرة المانع، دنى غالي… نساء نشرن الفن والثقافة والحرية. اليوم، يصمت كل شيء. الفتاة التي مزقتها الوحوش كانت إنذارًا للبشرية كلها: إن لم نواجه الوحشية، إن لم نسترجع الرحمة، ستصبح كل المدن مقابر للبراءة، وستصبح كل النساء صدى صرخات لم يسمعها أحد.
الدموع تتسرب من جدران المدينة، تتجمع في بحيرات صغيرة على الرصيف، تحمل روح الفتاة، روح كل براءة مزقتها الوحشية البشرية. كل نفس أصبح صدى صرختها، كل قلب حي شاهدًا على الجريمة الكبرى: صمت الإنسانية، صمت الفضيلة، صمت القانون، صمت كل من يعتقد أنه على حق وهو يقف على ضفاف الجريمة.
المدينة بكاملها اليوم تمثل صمتًا قاتلًا، وصراخًا لا يسمعه أحد، ودمعة تبكي كل طفل، كل حلم، كل براءة، كل روح تتوه في ظل الوحوش البشرية.
حتى النخيل، الذي كان يومًا يشهد على ضحكات الأطفال، اليوم يئن من الظلم، يحمل على أغصانه صرخات لم تُسمع، وينقلها إلى السماء كأنها استغاثة للأرض نفسها. المدينة تغرق في صمتها، في عتمتها، في دموعها. كل شيء يصرخ ويئن، ولكن لا أحد يجيب، لا أحد يتحرك، لا أحد يشعر.
الفتاة تمثل كل ضحية، كل طفلة، كل حلم ينهار بسبب صمتنا، بسبب قانون عاجز، بسبب قبيلة، حزب، خوف، أو رغبة في التبرير. البصرة لم تعد مجرد مدينة، بل لوحة مظلمة، رسمتها أيادي البشر، بالألوان السوداء، بالوحشية، بالصمت، بالخوف، ودموع ضحاياها الذين لا يُحصون.