الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بغداد في اختبار التوازن

بواسطة azzaman

بغداد في اختبار التوازن

محمد البغدادي

 

حين اندلعت “حرب المضائق” وأُغلِق مضيق هرمز جزئياً تحت وقع المواجهة، بدا أن العراق لم يعد مراقباً من بعيد، بل طرفاً مكشوفاً في معادلة تتجاوز حدوده. لم تكن بغداد تملك رفاهية الاختيار؛ فقد وجدت نفسها منذ اللحظة الأولى أمام اختبار مزدوج: كيف تحافظ على توازنها السياسي بين إيران والولايات المتحدة، وكيف تمنع انهيارها الاقتصادي في ظل اختناق شريانها النفطي.

في الأيام الأولى للأزمة، أعلنت بغداد حيادها الرسمي، لكنه كان حياداً مرتبكاً أكثر منه موقفاً صلباً. الخطاب السياسي شدّد على رفض الانخراط، لكن الوقائع على الأرض كانت تقول شيئاً آخر؛ إذ بدأت مؤشرات التوتر تتسرب سريعاً إلى الداخل. القواعد العسكرية التي تضم قوات أجنبية تحولت إلى نقاط استنفار، والفصائل المسلحة رفعت من وتيرة خطابها، واضعة الحكومة في زاوية ضيقة بين التزاماتها الدولية وضغوط بيئتها الداخلية.

اقتصادياً، تلقّى العراق الضربة الأشد. مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، تراجعت الصادرات النفطية وارتفعت كلفة التأمين والنقل، ما انعكس مباشرة على الإيرادات العامة. هنا تحركت بغداد بسرعة، لكنها كانت حركة دفاعية لا هجومية. أعادت تفعيل خط التصدير عبر تركيا، وفتحت قنوات عاجلة مع أوبك لضبط إيقاع السوق، غير أن تلك الإجراءات لم تكن كافية لتعويض الخسائر أو طمأنة السوق المحلية التي دخلت في حالة ترقب قلقة.

أما على المستوى الأمني، فقد تحولت الساحة العراقية إلى مرآة للصراع الإقليمي. لم تنفجر مواجهة شاملة داخل البلاد، لكن سلسلة من الاحتكاكات المحدودة كشفت هشاشة الوضع. بغداد سعت إلى احتواء التصعيد، فأعادت نشر بعض قواتها، وفعّلت قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف، محاولة منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة كانت ستكلفها ما لا تحتمل.

الدبلوماسية العراقية لعبت دوراً لافتاً في ذروة الأزمة. فقد تحركت بغداد بهدوء لإعادة فتح خطوط التواصل بين طهران وواشنطن، مستفيدة من موقعها كطرف مقبول نسبياً لدى الطرفين. لم يكن هذا الدور تعبيراً عن طموح إقليمي بقدر ما كان محاولة للبقاء؛ فنجاح التهدئة كان يعني بقاء العراق خارج دائرة الانفجار، وفشلها كان يعني تحوله إلى ساحة حرب بالوكالة.

مع مرور الوقت، تبيّن أن العراق لم يخرج من “حرب المضائق” منتصراً، لكنه أيضاً لم ينهَر. لقد نجح في تجنب الأسوأ: لم ينخرط رسمياً في الصراع، ولم يسمح بانهيار كامل لاقتصاده، لكنه دفع ثمناً باهظاً من استقراره الهش. التجربة كشفت حقيقة جوهرية: أن موقع العراق الجيوسياسي، بدلاً من أن يكون مصدر قوة، ظل في لحظات الأزمات عبئاً يفرض عليه أدواراً لا يريدها، ويضعه دائماً على حافة التوازن الصعب بين السيادة والاضطرار.

 

 

 

 


مشاهدات 61
الكاتب محمد البغدادي
أضيف 2026/04/04 - 12:19 AM
آخر تحديث 2026/04/04 - 1:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 2623 الكلي 15220696
الوقت الآن
السبت 2026/4/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير