الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إقتصاد بلا سيادة .. هل المصارف العراقية صانعة قرار أم أداة تنفيذ

بواسطة azzaman

إقتصاد بلا سيادة .. هل المصارف العراقية صانعة قرار أم أداة تنفيذ

موفق البياتي

 

ليست كل الهزائم تعلن في ساحات القتال ، فبعضها يبرمج بهدوء داخل جداول التحويلات. ويمرر بصمت عبر شاشات الامتثال ويوقع عليه دون ضجيج في تعليمات مصرفية لا تناقش.

هناك حيث لا دخان و لا بارود، تنتزع السيادة من بين ايدي الدول ومن دون ان تسقط راية واحدة ، والعراق مثالا وهو يقف اليوم في قلب معادلة مالية معقدة ، لا يواجه ازمة سيولة او نقص موارد فحسب ، بل يواجه سؤالا اشد قسوة : هل ما زال يملك قراره المالي ، ام ان هذا القرار بات موزعا بين منصات خارجية لا ترى الاقتصاد سوى ارقام، و لا في الدولة سوى حساب مصرفي ؟

 ان السيادة المالية في معناها الحقيقي ليست شعارا سباديا يرفع ، بل قدرة فعلية على رسم السياسة النقدية والتحكم بحركة الاموال وفق المصلحة الوطنية . غير ان الواقع يكشف عن تشابك كثيف بين القرار الداخلي و الارادات الخارجية. خاصة ما تعلق منها بادارة العملات الاجنبية والتحويلات ، فبحكم ارتباط النظام المصرفي العراقي بآليات دولية للرقابة والتسوية ، لم يعد تشكيله في ضوء متطلبات الامتثال العالمية .

نصوص قانونية

ولعل النصوص القانونية نفسها تؤكد من حيث لا تقصد هذا الارتباط ، حيث تقوم فلـسفة قانون البنك المركزي العراقي رقم 56 لسنة 2004 المعدل على الحفاظ على استقرار النظام المالي، وهي فلــــــسفة مشروعة لكنها باتت تفسر في التطبيق بوصفها التزاما غير محدود بالتعليمات الدولية وإن تقاطــــــعت هذه الفلسفة عمليا مع خصوصية السوق المحلية .

و هنا يتسلل  السؤال الجوهري : هل إن القرار المصرفي عراقي خالص ؟ ام انه قرار يعاد انتاجه عبر توازنات دقيقة بين ما يحتاجه الاقتصاد الوطني وما تسمح به المنظومة المالية العالمية ؟ ان الوقائع تشير الى ان المصارف ، ولا سيما فيما يتعلق بالتحويلات الخارجية اصبحت تعمل ضمن هامش مسموح ، اكثر من كونها تتحرك ضمن قرار سيادي ، وهذا التحول وان كان مبررا من جهة الاندماج في الاقتصاد العالمي ، الا انه يحمل في طياته من جهة اخرى خطر تآكل الارادة المالية المستقلة .

 وفي هذا المشهد ، تقف المصارف الاهلية بوصفها الحلقة الاكثر حساسية من حيث كونها مؤسسات تهدف الى مزاولة الاعمال المصرفية لتحقيق الربح وخدمة الاقتصاد الوطني ، غير ان هذا الدور المزدوج – الربحي والتنموي يواجه اليوم اختلالا واضحا، فالمصرف الاهلي بدل ان يكون اداة تمويل للمشاريع الانتاجية ، وجد نفسه محصورا في انشطة محدودة ابرزها تنفيذ التمويلات واصدار خطابات الضمان وما الى ذلك من انشطة هامشية ووفقا لضوابط صارمة لا يملك التاثير فيها ، وهكذا يتقلص دوره من صانع ( دينامية ) اقتصادية الى منفذ اجراءات، ومن شريك في التنمية الى متلق للتعليمات .

وهنا بالذات لا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند اشكالية الامتثال الدولي ، حيث تزداد الصورة التباسا حين تدخل هذه المنطقة ، فلا شيء يترك هنا للثقة ، فكل شيء يقاس بمستوى عال من الشك .

فالمعايير التي تفرضها المنظمات المالية العالمية. و لاسيما ما تعلق منها بمكافحة غسل الاموال وتمويل الارهاب . تعد شرطا اساسيا للاندماج في النظام المالي العالمي . حيث كرس المشرع العراقي هذا التوجه وبكل شفافية من خلال قانون غسل الاموال وتمويل الارهاب رقم 29 لسنة 2015 ، الذي اوجب على المصارف اعتماد اجراءات دقيقة والابلاغ عن العمليات المشبوهة ، والامتثال للمعايير الدولية.

 والمشكلة التي تدق هنا . لا تكمن في اصل هذه الالتزامات ، بل في كيفية تطبيقها ، ذلك ان التشدد في الامتثال ومن دون مراعاة لخصوصية البيئة الاقتصادية ، يؤدي الى نتائج عكسية ، منها تعطيل التمويلات و ابطاء حركة التجارة ، ومن ثم ادخال الاقتصاد الوطني في حالة من « الارتياب المالي « الدائم.

 لقد تحول الامتثال في بعض الحالات ، من اداة لحماية النظام المالي الى قيد يحد من حركته، فالمصرف الذي يخشى الوقوع تحت طائلة العقوبات او الادراج في قوائم المراقبة ، يفضل الامتناع عن تنفيذ عمليات مشروعة على المخاطرة بتفسير قد يكون خارج ارادته ، وهنا تتجلى المفارقة القاسية : نظام صمم لتعزيز الثقة ، ينتهي به الامر الى تقويضها داخل السوق المحلية .

فجوة تتسع

اما على صعيد الاطار القانوني ، فأن قراءة متأنية لنصوص قانون المصارف وقانون البنك المركزي تكشف عن فجوة اخذة في الاتساع بين النص والتطبيق . فهذه القوانين وعلى الرغم مما تضمنته من مبادئ تنظيمية مهمة بشأن الرقابة على المصارف ، فأنها لم تصغ في ظل واقع مالي ( معولم ) بهذا التعقيد ، فهي لم تفرض وجود نظام مصرفي يعمل ضمن حدود وطنية واضحة . في حين يشير الواقع اليوم الى نظام عابر للحدود ، تتحكم فيه معايير خارجية بقدر لا يقل عن القوانين المحلية .

ان النص القانوني حين لا يكتب ليتواكب مع التحولات، فأنه يتحول من اداة تنظيم الى قيد هيكلي ، فلا هو قادر على حماية السيادة المالية بشكل فعال ، و لاهو قادر على تسهيل الاندماج الذكي في الاقتصاد العالمي والقانون هنا لا يخطأ ، لكنه يتأخر عن الواقع الذي يتغير بسرعة فائقة واقتصاد لم يعد وطنيا خالصا ولا دوليا بالكامل معقدا من الاثنين ومن هنا تبرر الحاجة الى مراجعة تشريعية جريئة لاتكفي بالتعديل الشكلي فحسب بل الى اعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمصرف والسوق وتضع حدودا واضحة بين الالتزام الدولي والقرار الوطني.

ان التحدي الذي يواجه العراق اليوم ليس في الاختيار بين الانغلاق او الانفتاح ، بل في كيفية ادارة هذا التداخل ومن دون ان يذوب القرار الوطني في بحر الالتزامات الخارجية ، فالدول التي نجحت في الحفاظ على سيادتها المالية ، لم تفعل ذلك عبر رفض النظام العالمي ، بل عبر التفاوض والتعايش معه من موقع الندية وامتلاك ادوات داخلية قوية تجعلها شريكا لا تابعا .

 وفي خاتمة لاتجامل ولا تحتمل التخفيف  ، يمكن القول ان اخطر ما قد يفقد الاقتصاد العراقي ليس امواله بل ارادته الوطنية ، فحين تتحول المصارف الى مجرد اداوات تنفيذ، يفقد الاقتصاد عقله الذي يفكر به ويتحول الى جسد تحركه قرارات لاتنبع منه ، وحين يدار القرار النقدي من خارج الحاجة الوطنية ، تصبح السيادة مجرد نص دستوري بلا روح ، فالمعركة الحقيقية ليست في سعر الصرف، بل في من يملك حق تقريره ، فأما ان تكون المصارف صانعة قرار يحمي الاقتصاد الوطني ويصوغ مستقبله ، او ان تبقى ادوات تدار بصمت.. وفي صمتها هذا يصاغ شكل الخسارة الاكبر ، خسارة وطن لحقه في ان يقرر كيف ينفق ، وكيف يعيش وكيف يكون .

 


مشاهدات 62
الكاتب موفق البياتي
أضيف 2026/04/03 - 11:50 PM
آخر تحديث 2026/04/04 - 1:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 72 الشهر 2597 الكلي 15220670
الوقت الآن
السبت 2026/4/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير