الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سيمياء الخداع النفسي .. الدعاية في النزاع الأمريكي الإيراني 2026

بواسطة azzaman

سيمياء الخداع النفسي .. الدعاية في النزاع الأمريكي الإيراني 2026

إشتباك السرديات في الفضاء الهجين

جمعة الدراجي

 

  لم تعد الحروب المعاصرة تُحسم بصليل السلاح وحده، بل في أروقة «المجال السيبراني» والمعرفي. يمثل الصراع الراهن بين واشنطن وطهران (مارس 2026) نموذجاً حياً لـ «الحروب الهجينة»، حيث تسبق البروباغندا الرصاص بمسافات لترسم ملامح النصر والهزيمة في أذهان الشعوب. إن الجذور التاريخية المتوترة منذ عام 1979 أُعيد استدعاؤها بذكاء دعائي لتبرير «عملية الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury)، حيث وظفت الإدارة الأمريكية أحداثاً تاريخية (أزمة الرهائن، تفجير ثكنات بيروت) لإضفاء شرعية تاريخية على ضربات عسكرية حديثة. فاستخدمت الآلة الدعائية الأمريكية  التضليل بالمعلومات وتبدلت ذرائع الحرب الأمريكية على نحو لافت، متجاوزة «التبرير العقلاني» إلى «مخاطبة الغرائز». اعتمدت استراتيجية واشنطن على ثلاثة مرتكزات تضليلية كشفت زيفها التقارير الاستخباراتية اللاحقة:

1. الذريعة النووية: ادعاء إعادة بناء البرنامج النووي رغم تأكيدات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعدم وجود أدلة على التخصيب، بل إن الضربات الجوية في صيف 2025 كانت قد شلت القدرات التقنية فعلياً.

2. خطر الصواريخ العابرة: الترويج لامتلاك طهران صواريخ تهدد العمق الأمريكي، وهو ما نفته وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA) مؤكدة أن مثل هذا المشروع يحتاج عقداً من الزمن.

3. الهجوم الاستباقي الوهمي: الزعم بوجود نية إيرانية لمباغتة القوات الأمريكية، وهو ما اعترفت وزارة الدفاع لاحقاً في مارس 2026 بعدم توفر معلومات استخباراتية تدعمه.

تُظهر هذه المحاور أن المسار الدبلوماسي في «جنيف» لم يكن سوى عملية تضليل استراتيجي لكسب الوقت وتأمين المفاجأة العسكرية، مع استغلال تقنيات الـ (VPN) لكسر السيادة المعلوماتية الإيرانية وتوجيه «حزم عاطفية» (Emotion Packages) للداخل الإيراني لإحداث شرخ بين الشعب والقيادة.

تضحية عقائدية

الرد الإيراني جاء عقائديا مقتديا بالتضحية العقائدية للأمام الحسين بن علي (ع ) ليثبت انه ( و مثلي لا يبايع مثله ) ليشعر الطرف الآخر انه لا لأيقاف الحرب حتى آخر جندي ليحيل العهدة الى المرأة الجهادية لأتستدامة المعركة بعمقها السيكولوجي»محور المقاومة» وهذا ما قد يفسرالهجمة الخليجية على رجل الدين الذي دعى الله سبحانه وتعلى بان لا يجعل لمصر حاجة عند لئيم بشفاعة السيدة فاطمة الزهراء بنت محمد عليهما السلام ، بخطبة العيد بحضور الرئيس المصري ، وان القوى المعادية لأيران تدرك هذا العمق العقائدي الذي تنطلق منه الدعاية الإيرانية التأريخية لما أوكلت المهمة للسيدة زينب عليها السلام  بالتضحيات الجسام التي قدمها الرمز الحسيني في الماضي ، للإنطلاق نحو المستقبل بالرمز الأكثر حضورا متمثلا بظهور القائم الحجة المنتظر ( ع ) الذي يرونه قريبا كلما اشتد الوطيس ، وهذه الثنائية حاضرة مع كل رشقة صاروخية تنطلق باتجاه العدو ، بالأضافة  الى ان طهران فعلت ما يُعرف بـ «القوة الناعمة الإيرانية»، مستخدمة إستراتيجية «المرآة» لضرب التناقضات الأمريكية. تمحورت الدعاية الإيرانية  لتأطير الصراع أخلاقياً لربط الهجمات الأمريكية بـ «الهيمنة الإسرائيلية» وازدواجية المعايير الدولية تجاه الملف النووي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.

ونجاح اقتصاديات الاستنزاف بالتكنولوجيا الرخيصة (المسيرات) في استنزاف المنظومات الدفاعية المليونية، مما خلق صورة «الندية» العسكرية. وامتصاص الصدمة الداخلية: بدلاً من الانهيار، أدى استهداف الرموز القيادية إلى تلاحم قومي وانتهاء الاحتجاجات، حيث وظفت الماكينة الإعلامية صور التدمير للمواقع الإسرائيلية (سواء كانت حقيقية أو معالجة بالذكاء الاصطناعي) لرفع الروح المعنوية. ليأتي التحول الجذري في أساليب الدعاية المعاصرة لهذا النزاع في الانتقال من الدعاية التقليدية إلى «الحرب المعرفية» (Cognitive Warfare)  للحرب،إذ أصبح «اليقين» سلعة نادرة؛ حيث استُخدمت فيديوهات (Deepfakes) لبث أوامر عسكرية متضاربة، ووظفت لقطات من ألعاب فيديو متطورة (مثل Arma 4) لإيهام الجمهور بانتصارات زائفة، مما أدى إلى ما يُعرف بـ «الإغراق بالمعلومات» لشل قدرة المتلقي على اتخاذ موقف. ليبرز سلاح الطاقة والسيادة الرقمية من خلا ل «مضيق هرمز» ليس فقط كممر ملاحي، بل كأداة دعائية ضاغطة. وصفت واشنطن التحركات الإيرانية بـ «الإرهاب الاقتصادي» العالمي، بينما صورتها إيران كدفاع عن لقمة عيش «المستضعفين» ضد الحصار. وفي ظل التعتيم الرقمي، أصبحت الأقمار الصناعية (مثل Starlink) هي المصدر الوحيد للمعلومات، مما جعل المتلقي صيداً سهلاً للدعاية الموجهة التي تهدف إلى «كي الوعي». فكانت الضربات التي تلقتها دول المنطقة الحاضنة للقواعد الأميركية دروسا مستفادة من المعركة لأضاءة الوعي ومراجعة خططها المستقبلية وإلا يحتم عليها ان تكون كبش الفداء تحت مسرفات الآلة العسكرية الأميركية 

إن معركة 2026 تثبت أن الميدان لم يعد فاصلاً وحيداً، قد تخسر دولةٌ بارجة أو طائرة، لكن الطرف الذي ينجح في إقناع العالم بسردية «الضحية المظلومة» أو «البطل القوي» هو من يكسب الحرب سياسياً.

فالمعارك القادمة لن تُخاض على الأرض أو النفط، بل على «الانتباه» و»الإرادة الحرة». الاستعداد الحقيقي يبدأ بتقليل التبعية للخوارزميات وتفعيل التفكير النقدي العميق الذي لا يسأل «ماذا يقال؟» بل «لماذا أشعر الآن بما أشعر به؟».

في الحروب التقليدية، كانت الكفة تميل لمن يملك الميزانية الأضخم والترسانة الأثقل، أما في نزاع عام 2026، فقد برز التماثل السعري المنكوس او مفهوم اقتصادي جديد يسمى «الفجوة التكلفية الهائلة»؛ حيث تُستخدم أسلحة زهيدة الثمن لتدمير أو استنزاف منظومات دفاعية باهظة التكلفة، مما يجعل الاستمرار في الحرب عبئاً اقتصادياً خانقاً حتى على القوى العظمى.

فجات استراتيجية إستخدام «الدرون» مقابل «البطارية» (الاستنزاف الرقمي) بتكلفة تشغيلية  منخفضة لتطلق إيران أسراباً من المسيرات الانتحارية (Loitering Munitions) التي لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها 20 ألف دولار. بينما  تكلفة الاعتراض من القواعد الأمريكية والقطع البحرية لهذه المسيرات بصواريخ اعتراضية (مثل منظومات باتريوت أو ثاد) تصل تكلفة الصاروخ الواحد فيها إلى 3 - 5 ملايين دولار، وبمعدل حسابي بسيط، فإن إغراق المجال الجوي بـ 100 مسيرة يكلف المهاجم 2 مليون دولار، بينما يكلف المدافع ما يقارب 400 مليون دولار للتصدي لها، وهو ما يسمى بـ «الانتحار المالي للمنظومات الدفاعية»، وجاء سلاح «الطاقة» دعائية اقتصادية ليتحول «مضيق هرمز» ومنشآت الطاقة (أرامكو، روايس، المصافي الإيرانية) من مجرد أهداف عسكرية إلى أسلحة في «الحرب النفسية الاقتصادية»:

فمجرد التهديد بإغلاق المضيق إلى قفزة في أسعار النفط العالمية، مما انعكس فوراً على «معدلات التضخم» داخل الولايات المتحدة. لذا وظفت الدعاية الإيرانية هذه الأزمة لتصوير واشنطن كعدو لـ «الاستقرار المعيشي العالمي»، بينما ركزت واشنطن على «الإرهاب الاقتصادي» الإيراني لشرعنة تدمير البنية التحتية النفطية لطهران، مما يخرجها من سوق المنافسة الدولية.

مجال سيبراني

استهداف «المجال السيبراني» والمعرفي للحروب الحديثة استبدلت «الخسائر المادية» بـ «الخسائر الائتمانية» ، فالبورصات وأنظمة البنوك أظهرت صور وفيديوهات (Deepfakes) عن «انفجارات وهمية» تسبب ببيع ذعري (Panic Selling) في الأسواق المالية، مما يكبد العدو خسائر بمليارات الدولارات دون إطلاق رصاصة واحدة.لإنتاج محتوى تضليلي عالي الجودة يتطلب ميزانيات ضئيلة مقارنة بتكلفة تحريك حاملة طائرات، لكن أثره في «شل حركة الحياة الاقتصادية والمدنية» قد يكون أكثر ديمومة. لتؤدي الحرب الاقتصادية الحديثة إلى تحويل الميزانيات من «الرفاه الاجتماعي» إلى «الأمن العسكري» والصدع الداخلي، إذ ركزت الدعاية الإيرانية على أن الأموال الأمريكية تُنفق على «حروب عبثية» بينما يعاني المواطن الأمريكي من الغلاء.

في المقابل، ركزت الدعاية الأمريكية على أن النظام الإيراني ينفق ثروات الشعب على «أذرع إقليمية» وبرامج صاروخية بدلاً من تحسين الواقع المعيشي، مما يجعل «الاقتصاد» ساحة المعركة الحقيقية لإسقاط الأنظمة من الداخل. إن اقتصاديات الحروب في 2026 لم تعد تعتمد على «من يملك أكثر»، بل على «من يستطيع إيقاع ضرر مالي أكبر بتكلفة أقل». لقد أصبحت الحرب «سلعة» تخضع لحسابات الربح والخسارة الرقمية، حيث تدمير «السمعة الائتمانية» و»الاستقرار السعري» للعدو لا يقل أهمية عن تدمير قواعده العسكرية.  جائت هذه المقارنة التقريبية المستندة إلى تقارير مراكز الدراسات الدولية (مثل CSIS وIISS) ووكالات الأنباء العالمية، والتي توضح الفجوة الاقتصادية الهائلة بين الترسانة التقليدية (الصلبة) والأسلحة الحديثة الهجينة (الذكية والسيبرانية) في سياق نزاعات عام 2026.

تعتمد الحروب الهجينة على مبدأ «الكلفة المنخفضة (بالمقذوفات والمسيرات) والانتشار الواسع» لاستنزاف الميزانيات الضخمة. لتبرز الحرب السيبرانية كقوة ناعمة بأسلحة لا تقتل البشر، لكنها «تقتل» الاقتصاد والروح المعنوية بتكلفة تكاد تكون معدومة مقارنة بالجيوش، فإذا نظرنا إلى ميزانية «محور المقاومة» مقابل ميزانية «البنتاغون»: التي تقترب من 900 مليار دولار (تركز على الحفاظ على التفوق التكنولوجي الباهظ: حاملات طائرات، غواصات نووية). بينما الميزانية الإيرانية الدفاعية والدول القوى المتحالفة معها أقل بكثير (تقدر بـ 15-25 مليار دولار)، لكنها مستثمرة بالكامل في «الأسلحة اللامتناظرة» (مسيرات، صواريخ دقيقة، حرب سيبرانية)، مما يخلق حالة من «التعادل الاستراتيجي» رغم الفارق المالي الضخم. وفي المنظور الإعلامي والعلمي: فالحروب الحديثة انتقلت من «اقتصاد الوفرة» (من يملك معدات أكثر) إلى «اقتصاد الاستنزاف» (من يستطيع جعل تكلفة الصمود لدى الخصم غير قابلة للتحمل). إن استخدام مسيرة زهيدة الثمن لتعطيل ممر ملاحي كمضيق هرمز هو «استثمار عسكري» بامتياز، يحقق نتائج سياسية واقتصادية عالمية لا تحققها أساطيل كاملة.

وهكذا تتضح الفجوة في «اقتصاديات الحروب الحديثة» في منحنى الاستنزاف المالي: في النزاع الأمريكي الإيراني لعام 2026، نجد أن طهران تتبع سياسة «الإغراق الرخيص»؛ حيث يكلف إطلاق سرب مكون من 50 مسيرة ما يقارب مليون دولار فقط، بينما يضطر الأسطول الأمريكي لإنفاق 200 مليون دولار من الذخائر الدفاعية لإسقاطها. وإن معضلة «المخزون»: الفجوة ليست مالية فقط، بل إنتاجية؛ فتصنيع 100 مسيرة يستغرق أياماً في ورش عمل بسيطة، بينما يستغرق تصنيع صاروخ «باتريوت» واحد أشهراً في مصانع متقدمة ومعقدة، مما يؤدي إلى «نفاد المخزون الدفاعي» أمام «سيولة الإنتاج الهجومي». فالحرب لم تعد تُقاس بمدى تدمير الهدف، بل بمدى قدرة المهاجم على جعل «تكلفة الحماية» أغلى من قيمة «الهدف المحمي» نفسه.


مشاهدات 53
الكاتب جمعة الدراجي
أضيف 2026/04/03 - 11:49 PM
آخر تحديث 2026/04/04 - 12:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 62 الشهر 2587 الكلي 15220660
الوقت الآن
السبت 2026/4/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير