صناعة الحرب إعلامياً
فاضل البدراني
كيف يمكن النظر إلى الحرب الدائرة على امتداد واسع من بلدان الشرق الأوسط، في ضوء الصناعة الإعلامية التي كشفت تفاصيلها أمامنا ونحن نتابعها من غرف منازلنا أو من مكاتب أعمالنا؟
هل هي حرب يصنعها الإعلام عبر الفضائيات والصحف والشبكات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، أم أنها نتاج قرارات كبرى يتخذها صناع القرار في غرف السياسة المغلقة؟
قد يذهب بعضنا إلى أن مؤسسات الإعلام هي التي صاغت صورة الحرب وفرضت حضورها في وعينا، إذ نقلت إلينا مشاهد القصف وآثار الدمار ولهيب النيران في السماء، ورسائل المراسلين الذين يظهرون في هيئة فرسان الميدان، حاملين توصيفاتهم ومعلوماتهم التي تدفع المتلقي إلى الإصغاء لها أو قراءتها بوصفها رواية الحدث.
إظهار نتائج
لكن ثمة رأياً آخر يرى أن الجالسين خلف مكاتبهم من القادة والزعماء هم من أشعلوا فتيل هذه الحروب ورسموا مساراتها، فيما يقتصر دور المؤسسات الإعلامية على تغطية مجرياتها وإظهار نتائجها، بل ومحاولة تفسير أسبابها وتفاصيلها. وفي هذه الحالة تتحرك رسالة الإعلام بين ثلاثة أبعاد: الوصف، والنقد، والتحليل، تبعاً لطبيعة الممارسة المهنية للفن الصحفي. وهنا تتجلى ثنائية شائكة يمكن تسميتها بثنائية الحرب والإعلام.
وبحكم متابعة ما يجري من صراع محتدم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى جانب أطراف ودول عديدة تحولت أراضيها إلى ساحات اشتباك وصراعات، فقد وجد المتلقي نفسه أمام تغطيات إعلامية متباينة، بل متناقضة أحياناً، رغم أنها تنقل الحدث نفسه.
ففي المشهد الفضائي مثلاً، تبدو تغطية قناة قناة الحدث و قناة العربية مختلفة في كثير من تفاصيلها وزواياها عن تغطية قناة الجزيرة، وهو اختلاف تحكمه جملة من المعايير؛ من بينها الخلفيات الأيديولوجية والسياسية للمؤسسات المؤثرة في تلك الوسائل، ومستوى الحريات المتاحة للعمل الصحفي في الدولة أو ساحة الحدث، فضلاً عن درجة التعاطف الإنساني أو السياسي لدى الإعلامي الذي ينتظر منه الجمهور نقل أدق تفاصيل الوقائع.
ومع تنقلنا بين القنوات الفضائية وموجات الإذاعات وبقية المنصات الإعلامية، قد تتغير قناعاتنا بشأن من هو المنتصر ومن هو المهزوم، أو من هو المعتدي ومن هو المعتدى عليه. وهذه الحالة كثيراً ما تقود المتابع، وخصوصاً المختص في النقد الإعلامي، إلى فقدان قدر من الثقة بالمنتج الإعلامي ذاته.
ومن هنا نصل إلى مسألة جوهرية: فالإعلام في مفهومه المهني الحقيقي هو ناقل للحدث لا صانعه. غير أن انحيازاته، حين تشتد، قد تجعله أحياناً صانعاً لحدثٍ مضلل، أو مساهماً في تشكيل صورةٍ فاقدةٍ للتوازن والصدقية.
وفي الحرب الدائرة في الشرق الأوسط يبدو واضحاً أن اختلال التوازن العسكري لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل يرافقه أيضاً تفوق إعلامي يصطف في معظمه إلى جانب هذا المعسكر. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى أن إيران ركزت بصورة أكبر على تطوير قوتها العسكرية، فيما ظل حضورها الإعلامي العالمي محدود التأثير مقارنة بالآلة الإعلامية الغربية، التي نشأت وتطورت داخل بيئتها الحضارية والسياسية، فأصبحت تمتلك أدوات التأثير وصناعة الرواية على نطاق عالمي.