الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تفرض الأسواق نهاية الحرب.. إقتصاديات التفاوض في الخليج

بواسطة azzaman

حين تفرض الأسواق نهاية الحرب.. إقتصاديات التفاوض في الخليج

أسامة أبو شعير

 

في لحظات التحول الكبرى، لا تُختبر الحروب فقط في ساحات القتال، بل في قدرتها على إعادة تشكيل توازنات الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق، فإن الحرب التي اندلعت في منطقة الخليج العربي منذ 28/2/2026، بوصفها لحظة جيوسياسية مكثفة، تكشف كيف يتحول الاقتصاد من متغير تابع، إلى عنصر محدد في مسار الصراع.

لم يكن حضور المال في منطقة الخليج خلال السنوات الماضية مجرد موجة استثمارية، بل كان تعبيرًا عن نموذج أعمق يمكن وصفه بـ”اقتصاد الاستقرار”. نموذج لا يكتفي بتصدير الطاقة أو ضخ السيولة، بل يعيد تعريف الاستقرار ذاته كأصل اقتصادي يُستثمر فيه ويُعاد إنتاجه عبر الأسواق العالمية. فالصناديق السيادية الخليجية، التي تتجاوز أصولها مجتمعة نحو 5 تريليونات دولار، وفق تقديرات حديثة نشرتها رويترز في مارس 2026، لم تعد مجرد أدوات ادخار، بل تحولت إلى لاعبين مركزيين في تشكيل اتجاهات الاستثمار العالمي.

ولم يكن هذا الدور نظريًا أو محدودًا، بل تجسّد في حضور كثيف عبر قطاعات مختلفة. فقد ضخت هذه الصناديق ما يقارب 119 مليار دولار في عام واحد فقط، مستحوذة على نحو 43 بالمئة  من النشاط الاستثماري السيادي العالمي، بحسب تقرير نشرته منصة Salaam Gateway في فبراير 2026، وهو ما يعكس ثقلها في إعادة توجيه تدفقات رأس المال. ولم تتجه هذه الاستثمارات نحو القطاعات التقليدية فحسب، بل لعبت دورًا متقدمًا في إعادة تشكيل اقتصاد المستقبل، حيث تدفقت عشرات المليارات نحو الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، وفق تقارير PwC وMcKinsey الصادرة خلال عام 2025، في سياق سباق عالمي على السيطرة على اقتصاد المعرفة.

وفي الوقت ذاته، لم يقتصر تأثير منطقة الخليج على الاستثمار المالي، بل امتد إلى الاقتصاد الحقيقي وسلاسل الإنتاج العالمية. فطلبية واحدة لشركة طيران إماراتية، بقيمة تقارب 52 مليار دولار، إلى جانب طلبات ضخمة من شركات خليجية أخرى تصل إلى مئات الطائرات، تعكس حجم الدور الذي تلعبه المنطقة في دعم الصناعة العالمية، من الطيران إلى السياحة والخدمات. وبذلك، لم يعد المال في منطقة الخليج مجرد تدفق مالي، بل أصبح قوة طلب واستثمار تعيد تشكيل توازنات الاقتصاد العالمي.

تحول اقتصادي

ومع ذلك، فإن هذا الحضور لم يكن متجانسًا بالكامل، فبينما اتجهت السعودية نحو الاستثمار في التحول الاقتصادي والبنية الكبرى، ركزت الإمارات على تعظيم دورها كمركز مالي وخدمي عالمي، في حين واصلت قطر توظيف استثماراتها السيادية في الطاقة والتكنولوجيا. هذا التنوع لم يضعف التأثير، بل عزّز من مرونة “اقتصاد الاستقرار” في الخليج وقدرته على التكيف.

لكن مع اندلاع الحرب، لم يعد السؤال متعلقًا بحجم هذا المال، بل بقدرة البيئة التي ينتج فيها على الاستمرار. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ووكالة الطاقة الدولية الصادرة خلال 2025 ويناير 2026، لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل أصبح نقطة اختبار للنظام الاقتصادي العالمي. ومع تصاعد التوترات، لم يعد المرور عبره مضمونًا، بل أصبح خاضعًا لتوازنات سياسية وأمنية، بل وحتى لتفاهمات ميدانية تسمح بالعبور في حالات محددة. وهنا، لم يعد المضيق مجرد ممر، بل تحول إلى أداة تفاوض بحد ذاته.

انعكس ذلك مباشرة في الأسواق. فقد ارتفعت أسعار النفط من مستويات تقارب 75 دولارًا قبل الحرب إلى ما يتجاوز 100 دولار، مع توقعات بوصولها إلى مستويات أعلى بكثير في حال استمرار القيود على الملاحة. هذه التحركات لا تمثل مجرد تقلبات سعرية، بل تعكس انتقال الحرب من ساحة عسكرية إلى معادلة اقتصادية عالمية، حيث أصبحت كلفة الطاقة والتأمين والشحن عناصر ضاغطة على صانع القرار الدولي.

ولعلّ تأجيل بعض القرارات العسكرية المرتبطة بمنشآت الطاقة، بالتوازي مع السماح بمرور ناقلات في إطار تفاهمات محدودة، يعكس بوضوح كيف بدأت كلفة تعطّل الإمدادات وأسواق الطاقة تفرض إيقاعها على القرار السياسي.

اداة ضغط

وهنا تتغير طبيعة التحليل، فالمسألة لم تعد “هل يتأثر الخليج بالحرب”، بل “كيف تتحول كلفة المساس باستقراره إلى أداة ضغط على مسار الحرب نفسها”. فالتجربة الحديثة تقدم مثالًا واضحًا، إذ إن الهجوم على منشآت أرامكو في 2019 لم يكن مجرد حدث أمني، بل لحظة أعادت تسعير المخاطر فورًا في أسواق الطاقة، ورفعت الأسعار بشكل حاد، وأعادت ترتيب أولويات الفاعلين الدوليين تجاه أمن الإمدادات.

هذا النمط ليس جديدًا، ففي حرب الناقلات في الثمانينيات، كان استهداف الشحن وسيلة لرفع الكلفة الاقتصادية على جميع الأطراف، ما ساهم في دفع مسارات التهدئة. وفي الأزمة المالية العالمية 2008، لعبت السيولة السيادية.

 ومنها الخليجية، دورًا في إعادة التوازن للأسواق، وفق تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الصادرة بعد الأزمة. ما يجمع هذه الحالات هو أن الاقتصاد لم يكن انعكاسًا للصراع، بل أحد محددات نهايته.

اليوم، يتكرر هذا المنطق ولكن ضمن شبكة أكثر تعقيدًا من الاعتمادية المتبادلة. فالعالم لا يعتمد على منطقة الخليج كمصدر للطاقة فقط، بل كمصدر للسيولة، وكمركز لوجستي، وكسوق رئيسي للخدمات والاستثمارات. وفي المقابل، يعتمد الخليج على استقرار النظام العالمي لضمان استدامة تدفقاته. هذه العلاقة لا تُضعف أحد الطرفين، بل تخلق ما يمكن تسميته بـ”توازن الاعتماد”.

ومن هنا، تظهر آليات التأثير التفاوضي بشكل غير مباشر ولكن فعّال، فمع كل تصعيد، ترتفع كلفة المخاطر على الأسواق العالمية، تتزايد أقساط التأمين، تتذبذب أسعار الطاقة، وتتراجع شهية المستثمرين. هذه التحولات تتحول إلى رسائل ضغط تُقرأ في دوائر صنع القرار.

وقد بدأت هذه الضغوط تنعكس في السلوك السياسي نفسه، فالتردد في توسيع نطاق الاستهداف، وتصاعد المسارات الدبلوماسية، والنقاشات حول تأمين الممرات البحرية، جميعها تشير إلى إدراك متزايد بأن كلفة التصعيد أصبحت أعلى من كلفة الاحتواء. وفي الميدان، لم يعد التفاوض مسارًا منفصلًا، بل جزءًا من إدارة الأزمة اليومية، حيث يتحول تنظيم المرور البحري إلى أداة ضمن معادلة التهدئة والتصعيد.

وتتجلى هذه الديناميكية في اعتماد النظام المالي العالمي على استمرار التدفقات الخليجية، فاضطرابها لا يؤثر محليًا فقط، بل يعيد تسعير الأصول، ويضغط على السيولة، ويؤجل قرارات الاستثمار عالميًا.

ورغم التحديات المالية، مثل تسجيل السعودية عجزًا يتجاوز 5% من الناتج المحلي، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي في 2025، وتوسيع القاعدة الضريبية في بعض دول الخليج، فإن هذه التحولات تعكس انتقالًا نحو نموذج أكثر استدامة قائم على إدارة المخاطر.

ومع ذلك، يبقى هذا النموذج مشروطًا، فإذا تسارعت إعادة توجيه الاستثمارات الخليجية نحو أسواق بديلة، أو إذا تمكنت الأطراف المتصارعة من امتصاص الكلفة الاقتصادية دون تغيير سلوكها السياسي، فإن قدرة هذا “الضغط الاقتصادي” على تسريع إنهاء الصراع قد تتراجع، وهنا لا يعود الاقتصاد أداة حسم، بل عامل تأخير.

في هذا السياق، يصبح الخليج العربي نقطة توازن داخل النظام العالمي، ولهذا، فإن ما تتعرض له دوله اليوم ليس مجرد تهديد جغرافي، بل اختبار لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على الحفاظ على توازنه، حين تتحول الأسواق من متلقٍ للصراع، إلى أحد محددات نهايته.

 


مشاهدات 97
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/03/28 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/03/29 - 1:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 55 الشهر 23442 الكلي 15215510
الوقت الآن
الأحد 2026/3/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير