نادية .. مقامُ الضوء الخفيّ
عصام البرّام
في البدءِ
لم يكن في القلبِ غيرُ فراغٍ
يمرُّ فيهِ الوقتُ مثلَ ريحٍ بلا أثر،
حتى أطلَّ طيفُكِ
كما يطلعُ الفجرُ من نافذةٍ لا يعرفها الليل.
ومنذ تلك اللحظة
صار للعالمِ معنى آخر،
وصار للصمتِ نداءٌ
تسمعهُ الأرواحُ حين تتطهّرُ من ضجيجها.
يا مَن تمرّين في روحي
كما تمرُّ الآياتُ في صدرِ المتعبّدين،
كلما اقترب اسمكِ
ارتجفت في اللغةِ نجومٌ صغيرة
كأنَّ الأبجديةَ تكتشفُ نفسها للمرة الأولى.
ما كنتُ أعلمُ
أنَّ للحبِّ هذا المقام،
ولا أنَّ القلبَ
يمكن أن يصيرَ مئذنةً للضوء
حين تسكنهُ روحٌ من جهةِ الغيب.
حين رأيتكِ
شعرتُ أنَّ الطريقَ الطويل
الذي تعبتُ فيهِ قدمي
لم يكن إلا تمهيدًا
لكي أصِلَ إلى هذا المعنى.
أنتِ لستِ صورةً في مرآة الأيام،
ولا عابرةً في رواق الصدفة،
بل شجرةُ سرٍّ
غرستها الحكمةُ في تراب أيامي
كي يثمرَ الصمتُ عن حدائقَ من حضور.
حين تمشين
تتخفّفُ الأرضُ من ثقلها،
ويصيرُ الترابُ
أقربَ إلى غيمةٍ تعرفُ طريقها إلى المطر.
وإذا مرَّ صوتكِ
في الجهاتِ الأربع
تتذكّرُ الرياحُ
أنها خُلقت كي تحملَ العطر.
يا سِرَّ هذا الضوءِ
الذي يسكنُ في ملامحكِ
كما يسكنُ المعنى في الحرف،
كلما نظرتُ إليكِ
أدركتُ أنَّ العيونَ
ليست سوى نوافذَ صغيرة
على بحرٍ لا يُرى.
كم مرةٍ
حاولتُ أن أقولَ شيئًا يليقُ بهذا الحضور،
فتكسّرت الكلماتُ
عند بابِ الصمت،
كأنها تعرفُ
أنَّ بعضَ الجمال
لا يُقال.
إنكِ تشبهينَ
دعاءً قديمًا
خبّأهُ القلبُ في سجوده،
فلما حانَ أوانُ الإجابة
تجلّى
في هيئةِ إنسان.
وإنني كلما اقتربتُ
من هذا الصفاءِ الذي يحيطكِ
أشعرُ أنني أعبرُ طبقاتٍ من نفسي
لم أكن أعرفها.
كأنكِ بابٌ
يؤدي إلى حديقةٍ أعمق من الذاكرة،
وكأنّ حضوركِ
ماءٌ خفيّ
تستعيدُ بهِ الروحُ نقاءها الأول.
يا من جعلتِ الليلَ
أكثر رحمةً بنجومه،
وجعلتِ الصباحَ
يمشي بخفةِ الطيور.
إنني حين أفكرُ بكِ
يتحوّلُ قلبي
إلى مقامٍ من الإنصات،
كأنَّ العالمَ
صار آيةً طويلة
وأنتِ تفسيرها.
ما الذي فعلتِهُ
حتى صار الطريقُ إليكِ
أقربَ من دمي؟
وحتى صار حضوركِ
مثلَ صلاةٍ
لا تحتاجُ إلى كلمات.
يا سرًّا
يمرُّ في عروقي كالنور،
ويا معنى
كلما حاولتُ الإمساكَ به
ازداد صفاءً وبعدًا.
إنني منذ عرفتكِ
لم أعد كما كنت،
لقد صرتُ أكثرَ اتساعًا
كأنَّ نافذةً فُتحت
في جدار الروح.
وإذا سألني الليلُ
عن اسم هذا الضوء
الذي يسكنني
أبتسمُ
وأقول:
إنها حكايةُ قلبٍ
عثرَ أخيرًا
على المعنى
الذي كان يبحثُ عنهُ
في الجهاتِ كلّها.
حكايةُ روحٍ
كانت تمشي في صحراء الوقت
حتى رأت فجأةً
واحةً من النور
تقول لها بصمتٍ عميق:
هنا
يبدأ الطريق الحقيقي.