ملاذ الضوء في سنجار
عمار عبد الواحد
في ثنايا الذاكرة الممعنة في الوداعة والجمال تطل سنجار برأسها الشامخ كأنها حارس أمين على حكايات لم تنته فصولها بعد حيث كانت البيوت المزدانة ببالقونات الحجرية العتيقة تطل على وادي التين الذي يفوح بعطر الأرض والسكينة هناك في ذلك القرن الماضي حيث كانت الطيبة هي العملة الوحيدة المتداولة بين الناس.
فما أن تطأ قدماك المدينة حتى تستقبلك وجوه الإيزيدية بابتسامة نابعة من قلب الجبل الذي احتضنهم واحتضنوه لآلاف السنين أتذكر جيدا تلك الجلسات الصباحية في تسعينيات القرن الماضي على سفحه حيث المقاهي الشعبية المتناثرة كحبات اللؤلؤ على الطريق الواصل إلى كراج الموصل فقد كانت تلك المقاهي ليست مجرد أماكن لارتشاف الشاي بل هي برلمانات مصغرة تدار فيها شؤون المحبة وتنسج فيها أواصر الجيرة الصادقة حيث لا يفرق الضجيج بين غريب وابن دار فالكل هناك كان يغرف من بحر الكرم ذاته ومن وادي التين إلى عين الماء الجاري الذي كان يقف بوقار ليرى مشهدا تدمع له العين فرحا حين كانت المأذنة تعانق جرس الكنيسة في تناغم مهيب فكل كان يقدس الله بطريقته ويناجيه بلغة القلب الصافية وسط أناس طيبين لا يعرفون للحقد سبيلا.
لقد كنت غريبا قادما من أقصى الجنوب من ميسان من العمارة التي تشبههم في صفاء الماء لكنهم بصدق قلوبهم احتضنوني في بيوتهم حتى ذاب لفظ الغربة في كؤوس الشاي المعطر.
إن الحديث عن سنجار اليوم ليس لذكرى بل هو استنهاض لروح الأمل التي لا تموت في عروق أهلها فحين نمر بتلك الطرقات نجد أن رائحة التين ما زالت أقوى من رائحة الدخان وأن صوت الضحكات القديمة في البالقونات العالية ما زال يتردد صداه ليخبرنا أن الحياة ستعود لتزهر من جديد وبشكل أجمل مما كانت عليه فمن يمتلك هذا الجبل وهذه القلوب العامرة بالإيمان بالحياة لا يمكن أن ينكسر أبدا.
وستبقى تلك المقاهي تنتظر روادها ليعود الشارع يضج بالحركة وتعود الحكايات لتكتب فصولا جديدة من الفرح والبهجة التي تليق بسنجار وأهلها الذين علمونا أن الجمال الحقيقي يكمن في البقاء شامخين كالجبل وأوفياء كالأرض ومنتجين كشجر التين الذي لا يبخل بظله وثمره على أحد مهما جارت عليه السنون.