حواءْ والهاتفُ المحمول
محمد خضير الانباري
جلستْ حواءْ في غرفتها المظلمة، في ساعةٍ متأخرةٍ منْ الليل، تقلبُ ذلكَ الجهازِ الصغيرِ بينَ أصابعها كانَ الأرقُ يثقلُ جفونها، ويبعدَ عنها النومُ ، كما لوْ أنَ بينهما خصومةٌ قديمة. لمْ يعدْ الهاتفُ مجردَ وسيلةِ اتصالٍ عابرة؛ بلْ صارَ نافذةً تختصرُ العالمَ كله، تطلَ منها على ما لا يحصى منْ الوجوهِ والحكايات. تفتحهُ ، فتنسابُ أمامها رسائل وصور وأصوات، تتزاحمَ كما لوْ كانتْ تسابقُ صمتها. أحيانا يؤنسُ وحدتها، وأحيانا أخرى يوقظُ في داخلها ضجيجُ منْ الأفكارِ لا يهدأ. كلُ إشعارٍ يحملُ وعدا جديدا، أوْ وهما عابرا، أوْ سؤالاً لا يجدُ جوابا.
تتوقفَ لحظة، تتأملَ هذا السيلِ المتدفق، وتبتسمَ ابتسامةٌ خفيفة، كأنها تستعيدُ معنى قديما في زمنِ مختلف. تتمتمَ في سرها: وعندَ جهينة الخبرِ اليقينِ … لكنَ أيَ يقينِ هذا الذي يتشكلُ منْ كلِ هذا الضجيج؟ وأيَ حقيقةٍ يمكنُ أنْ تولدَ منْ بينِ هذا الزحام؟ تغلقَ هاتفها ببطء، وكأنها تحاولُ أنْ تغلقَ العالمَ معه، غيرَ أنَ الأفكارَ تبقى مستيقظة، تؤنسها مرة، وتثقلها مرةٌ أخرى.
هنا صديقةً تشكو، وهناكَ أخرى تقدمَ نصيحة، وثالثةٌ تنسج حكاياتٌ منْ الغيبةِ والنميمة، فتختلطُ الكلماتُ بينَ صدقٍ وزيف، بينَ خيرٍ يرجى وشر يتخفى في التفاصيل، وهنا تتذكر قولهُ تعالى: ولا يغتابُ بعضكمْ بعضا، أيحبُ أحدكمْ أن يأكلَ لحمَ أخيهِ ميتا فكرهتموه، واتقوا الله، أنَ اللهَ توابٌ رحيمٌ (الحجرات: 12) .
تمضي الساعاتُ دونَ أنْ تشعرَ بالوقت، وكأنَ الزمنَ نفسهُ صارَ أسيرُ هذا الجهاز، لكنَ حواءْ ليستْ كما كانت، لقدْ بدأتْ تدركُ أنَ هذا العالمِ الرقمي، رغمَ اتساعه، يحتاجَ إلى وعيٍ يمسكُ بزمامه.
لقد تعلمتْ؛ أنَ للهاتفِ المحمولِ وجهين؛ وجها يقربُ المسافات، يفتحَ أبوابَ المعرفة، ويعرفها بحقوقها التي كفلها لها في القوانينِ والحقوقِ التي لهُ أوْ ضدها، فتقفُ أكثرَ ثقةً بنفسها، وأشدُ إدراكا لمكانتها. ووجها آخرا مظلما، يتسللَ عبرهِ ضعافُ النفوس، أولئكَ الذينَ يمارسونَ الابتزازُ الإلكتروني، متخفينَ خلفَ شاشاتٍ باردة، يستهدفونَ المرأةُ في كرامتها وخصوصيتها.
هنا، تشعرَ حواءْ؛ أنَ الهاتفَ المحمول، الذي بينَ يديها قدْ يتحولُ إلى ساحةِ معركة، لا إلى وسيلةِ راحة. تتوقفَ لحظةً … تطفئُ الشاشة، وتنظرَ إلى ذاتها في المرآة. تسأل: هلْ أنا منْ أملكُ هذا الجهاز، أمْ أنهُ يملكني؟ تبتسمَ ابتسامةً خفيفة، وتعيدَ تشغيله، ولكنْ هذهِ المرةِ بوعيِ مختلف. تقرأ، تتعلم، تتواصل، لكنها تختارُ كلماتها، وتصونَ وقتها، وتحمي نفسها منْ كلِ ما قدْ يسيءُ إليها.
لمْ تعدْ حواءْ مستهلكةً لما يعرضُ عليها، بلْ أصبحتْ قادرةً على التمييزِ بينَ ما ينفعها وما يضرها. وهكذا، يبقى المحمولُ أداةً … لا أكثر، فهيَ الحكايةُ كلها: إنَ أحسنتْ استخدامه، صارَ نورا في يدها، وإنْ أساءت، صارَ عبءٌ يثقلُ قلبها. وفي زمنٍ تقاسُ فيهِ الأشياءُ بسرعةِ اللمسة، تبقى الحكمةُ أثمنَ منْ كلِ تطبيقا، والوعيُ أجملُ منْ كلِ شاشة.
ونختمُ كلامنا ، ببعضِ أبياتِ الشاعرِ السعودي( نايفْ عبدِ اللهْ الهويس) منْ قصيدتهِ (الهاتفُ المحمولُ ) ، حيثُ يصورُ فيها أثرُ الهاتفِ المحمول في التواصل الإجتماعي:
اللغوُ طافَ بهاتفٍ يتواصلُ ولسانَ حالِ الناسِ فيهِ يشاكلُ
قدْ غردَ اللقيا كنغمةٍ بلبلْ معَ كلِ ولفَ في الأثيرِ يغازلُ