الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خارقون تحت ركام السلطة

بواسطة azzaman

خارقون تحت ركام السلطة

هدى زوين

 

في المساحات التي يضيق فيها الأفق العام، ويختلط فيها الصوت الرسمي بصدى الخوف الاجتماعي، يظهر نوعٌ خاص من البشر؛ أشخاص لا يملكون سلطة القرار، لكنهم يملكون سلطة الوعي. هؤلاء لا تُعرّفهم المناصب ولا تصنعهم الأضواء، بل يتشكّلون في الهامش، حيث تُختبر القيم بعيدًا عن الامتيازات.

السلطة، بوصفها ضرورة لتنظيم المجتمعات، تفقد معناها عندما تنفصل عن بعدها الأخلاقي. عندها تتحول من إطارٍ لإدارة الشأن العام إلى ثقلٍ يضغط على المجال الإنساني والفكري. المشكلة لا تبدأ من وجود السلطة، بل من تحوّلها إلى مركزٍ مغلق لا يسمع إلا نفسه، ولا يرى المجتمع إلا من زاوية السيطرة عليه.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحدّي في المعارضة المباشرة فقط، بل في الحفاظ على الاستقلال الداخلي للفرد. فالترويض الناعم أخطر من القمع الصريح؛ لأنه يُقنع الإنسان بالتنازل التدريجي عن حقه في السؤال، ويعيد تعريف الصمت بوصفه حكمة، والتكيّف بوصفه نجاة.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من أولئك الذين يرفضون الذوبان. يظهرون في تفاصيل الحياة اليومية أكثر مما يظهرون في المنابر. في معلّم يدرّب طلابه على التفكير لا الحفظ، في كاتب يختار الدقة بدل المجاملة، في إعلامي يقدّم الوعي على الإثارة، في فنان يحترم عقل جمهوره، وفي أبٍ أو أمّ يربّيان أبناءهم على الكرامة لا الخضوع. هذه الأدوار الهادئة تُبقي المجتمع حيًّا حتى حين يبدو متعبًا.

المجتمعات لا تنهار بسبب الأزمات وحدها، بل بسبب اعتيادها على تقليص سقفها الأخلاقي والفكري. حين يصبح الطموح مقتصرًا على السلامة الشخصية، يفقد المجال العام روحه. وهنا تحديدًا تبرز قيمة الأفراد الذين يتمسكون بمعاييرهم، لا بوصفهم أبطالًا، بل بوصفهم حراسًا للمعنى.

التاريخ لا يحتفظ طويلًا بصورة السلطة بقدر ما يحتفظ بأثر الفكرة. الكراسي تتبدّل، والأنظمة تتغيّر، لكن ما يبقى هو ما زرع في وعي الناس. لذلك فإن التأثير الحقيقي لا يُقاس بضجيج اللحظة، بل بعمق الأثر الذي يتركه الإنسان في محيطه.

الخارقون تحت ركام السلطة ليسوا ثوّارًا بالضرورة، ولا معارضين محترفين، بل أفراد قرروا ألّا يتنازلوا عن إنسانيتهم. وجودهم يذكّر بأن المجتمع ليس ملكًا للسلطة وحدها، بل هو مساحة مشتركة يصنعها وعي أفراده.

ربما لا يحتاج الواقع إلى صدامات كبرى بقدر ما يحتاج إلى يقظة مستمرة. فكل كلمة مسؤولة، وكل موقف أخلاقي، وكل فكرة حرّة، تفتح ثغرة في الجدار. ومن هذه الثغرات يدخل الضوء.

وهنا لا يُطرح السؤال على السلطة وحدها، بل على المجتمع أيضًا:

أي مستقبل نصنعه حين نختار الصمت؟ وأي أفق يُفتح حين نختار الوعي؟

 

 


مشاهدات 98
الكاتب هدى زوين
أضيف 2026/03/24 - 12:36 AM
آخر تحديث 2026/03/24 - 2:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 19251 الكلي 15211319
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير