الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة انطباعية في رواية الخيميائي لباولو كويلو


بين أهرامات كويلو.. ووصية جدتي في السماوة

قراءة انطباعية في رواية الخيميائي لباولو كويلو

 

ضرغام عبدالرحمن الجابري

 

أحياناً، نقطع آلاف الأميال، لا لنجد شيئاً جديداً، بل لنصبح جديرين برؤية ما كان أمام أعيننا منذ البدء.

لطالما سحر "باولو كويلو" العالم بروايته "الخيميائي"، وجعل من رحلة الراعي "سانتياغو" أيقونةً للبحث عن "الأسطورة الشخصية".

لكنني، وأنا أطوي الصفحة الأخيرة من هذا العمل العالمي، لم أجد نفسي في صحاري مصر ولا بين رموز الكيمياء المعقدة، بل وجدتني أجلس في فناء بيتنا في السماوة، وأسمع صوت جدتي وهي تقول بلهجتها المحملة باليقين: "يُمه، الخير جوه رجليك وأنت ما تشوفه".

المفارقة الكبرى

العالم كله صفق لسانتياغو لأنه عبر القفار، واجه اللصوص، وعشق "فاطمة" في الواحة، لكي يكتشف في النهاية أن الذهب الذي رآه في منامه لم يكن مدفوناً تحت ظل الأهرامات العظيمة، بل كان ينتظره تحت الشجرة ذاتها التي نام تحتها في بداية الحكاية.

هنا تكمن عبقرية الرواية، لكن هنا أيضاً يكمن "السهل الممتنع" الذي ورثناه في ثقافتنا الشعبية.

كويلو احتاج إلى مئات الصفحات ليقنعنا بأن "الكنز في الرحلة لا في الوصول"، بينما اختصرت جدتي ذلك بومضة ذكاء فطري؛ فنحن نهرب من واقعنا ظناً منا أن الحظ يبتسم في مكان آخر، في بلادٍ أخرى، أو تحت سماواتٍ غريبة، وننسى أن الأرض التي نمشي عليها بملء أقدامنا هي المخزن الحقيقي للفرص.

هل كانت الرحلة عبثاً؟

قد يتساءل البعض إذا كان الكنز تحت الشجرة الأولى، فلماذا قطع سانتياغو كل تلك المسافات؟

الحقيقة هي أن سانتياغو لو لم يسافر، لظل مجرد راعٍ ينام فوق كنزٍ لا يملكه.

الرحلة لم تغير مكان الكنز، بل غيرت "عين" سانتياغو ليكون قادراً على رؤيته.

لقد كان يحتاج لغبار الصحراء ليجلو الصدأ عن بصيرته.

هذا هو "الخيميائي" الحقيقي؛ ليس من يحول الرصاص إلى ذهب، بل من يحول "العادي" إلى "استثنائي" بمجرد الإدراك.

كلمة أخيرة

رواية الخيميائي مهمة، ليس لأنها قدمت فلسفة جديدة، بل لأنها أعادت صياغة "حكمة البيوت القديمة" بلغة عالمية. هي دعوة لنبحث في ذواتنا، وفي بيئتنا، وفي "الخير الذي تحت أرجلنا".

فيا أيها الباحث عن الكنوز في أقاصي الأرض، تذكر دائماًربما كان ما تبحث عنه، ينتظرك في المكان الذي خلعت فيه حذاءك لترتاح أول مرة.


مشاهدات 95
الكاتب ضرغام عبدالرحمن الجابري
أضيف 2026/03/24 - 12:59 AM
آخر تحديث 2026/03/24 - 2:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 138 الشهر 19274 الكلي 15211342
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير