الضوء المنسيّ.. فنانون خارج ذاكرة الشاشة
هدى زوين
في زحمة الشاشات، وتكاثر الوجوه الجديدة، وتسارع الإيقاع الذي يحكم الصناعة الفنية اليوم، تراجع حضور ممثلين صنعوا الدراما بجهدهم وموهبتهم، قبل أن تتحوّل الشهرة إلى سلعة سريعة التداول. لم يختفِ هؤلاء لأنهم فقدوا قدرتهم على الإبداع، ولا لأن أدواتهم خمدت، بل لأن اتجاه الضوء تغيّر، ولأن السوق بات يفضّل الصورة السهلة على الأداء العميق، والانتشار السريع على التراكم الفني الهادئ. وهكذا وجد ممثلو الزمن الجميل أنفسهم خارج المشهد، رغم أنهم من رسم ملامحه الأولى، وأسّسوا لصدقه وجماليته.
أولئك الممثلون لم يكونوا مجرد مؤدّين لأدوار عابرة، بل كانوا بناة شخصيات حقيقية؛ شخصيات عرفناها وصدّقناها، وحفظنا جملها وملامحها، لأنها وُلدت من تعبٍ صادق لا من رغبةٍ سريعة في الظهور. اشتغلوا على الفن بوصفه حرفة شاقّة ومسؤولية أخلاقية، لا فرصة عابرة. كانوا يقرأون النصوص بعمق، ويتدرّبون بإصرار، ويتعبون في البحث عن التفاصيل الصغيرة التي تمنح الشخصية روحها. كانوا يمنحون الدور عمرًا كاملاً على الشاشة، لذلك بقي أثرهم حيًّا في الذاكرة، حتى بعد غيابهم عن الأعمال.
في أعمال درامية راسخة مثل ليالي الحلمية أو التغريبة الفلسطينية، لم يكن الممثل عنصرًا مكمّلًا للصورة، بل كان عمودها الفقري. الشخصية هناك لم تكن مجرد اسم في نص، بل كائنًا حيًا يتطوّر ويتحوّل ويصيب ويخطئ، حتى يشعر المشاهد أنه يعرفه حقّ المعرفة. لذلك بقيت تلك الأعمال حيّة في وجدان الجمهور، لأن الأداء فيها كان صادقًا، متأنّيًا، ومبنيًا على وعي عميق بطبيعة الإنسان.
إن نسيان ممثلي الأمس ليس مسألة فنية فحسب، بل هو ظاهرة اجتماعية تكشف عن علاقتنا المرتبكة بالذاكرة. نحن نستهلك الجديد بسرعة، ونُقصي القديم دون مراجعة، كأن الخبرة أصبحت عبئًا، وكأن العمق لم يعد مطلبًا في زمن السرعة. نتعامل مع الفن كما نتعامل مع الأخبار اليومية؛ نتابعه لحظة، ثم ننتقل إلى غيره. غير أن التمثيل، في جوهره، لا ينضج إلا مع الزمن، ولا تكتمل أدواته إلا عبر التجربة الطويلة. فالممثل الحقيقي تزداد قدرته على التعبير كلما تقدّم به العمر، لأن الحياة نفسها تمنحه فهمًا أوسع للمشاعر والتناقضات الإنسانية.
كثير من ممثلي الزمن الجميل ما زالوا قادرين على العطاء. بعضهم ينتظر فرصة تليق بتاريخه، وبعضهم أُبعد بصمت لأن الأدوار باتت تُكتب بعقلية تجارية لا فنية، تختصر الشخصيات في قوالب سطحية، وتبحث عن الجاذبية السريعة بدل العمق. وبعضهم أُجبر على الغياب لأن حسابات الإنتاج لم تعد ترى في الخبرة قيمة تسويقية. ومع ذلك، لم يساوموا على تاريخهم، ولم يلهثوا خلف أضواء زائفة، بل بقوا أوفياء للصورة التي آمنوا بها عن الفن: رسالة تُبنى بالصبر، لا سلعة تُستهلك بسرعة.
إن الدعوة إلى إعادة هؤلاء إلى الشاشة ليست حنينًا عاطفيًا، ولا مجاملة لأسماء قديمة، بل ضرورة فنية وثقافية. وجودهم يعيد التوازن إلى الأعمال، ويمنح النصوص ثقلًا إنسانيًا، ويتيح للأجيال الجديدة فرصة التعلّم من التجربة لا من الشهرة السريعة. فالممثل الشاب، مهما امتلك من حضور، يحتاج إلى مدرسة حيّة أمامه، يتعلّم منها كيف يُمسك بالصمت قبل أن يرفع صوته، وكيف يعبّر بنظرة قبل أن يشرح بكلمات.
نحن نشتاق إلى ممثل يُقنعنا بهدوئه لا بضجيجه، ويؤثّر فينا بعمقه لا بمبالغته. نشتاق إلى أداء يلامس الداخل، لا يكتفي بالعناوين. فالفن الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، ولا بعدد المشاهدات، بل بقدرته على البقاء في الذاكرة، وعلى تشكيل وعيٍ جمعيّ يستمرّ عبر الأجيال.
إن إعادة ممثلي الزمن الجميل إلى الشاشة هي، في جوهرها، إعادة اعتبار لفن التمثيل نفسه. هي رسالة واضحة بأن الإبداع لا يُختزل في لحظة شهرة، ولا في حضور عابر، بل في أثرٍ يبقى ويُستعاد. فالفن الذي يقطع جذوره يخسر روحه، والدراما التي تنسى صُنّاعها تفقد عمقها الإنساني، وتتحوّل إلى صورة بلا ذاكرة.
ربما آن الأوان أن نعيد النظر في اختياراتنا، وأن نفتح الأبواب لمن صنعوا الدراما بصدق، بدل أن نتركهم خلف الكواليس منسيّين. فممثل الزمن الجميل ليس ماضيًا منتهيًا، بل قيمة حاضرة تنتظر من يعترف بها، وخبرة متراكمة قادرة على أن تمنح أعمال اليوم عمقًا افتقدته. وحين نعيد لهم مكانهم الطبيعي، فإننا لا ننصف أشخاصًا فحسب، بل ننصف الفن ذاته، ونصون ذاكرتنا من التآكل في زمن السرعة والنسيان.