كنتُ أكتب كما يُكتب على الماء
ثامر محمود مراد
لأنهم صادروا الورق، وكسروا الأقلام، لكنهم لم يستطيعوا مصادرة الذاكرة.
في الأسر تعلّمتُ أن الكلمة إن لم تُخفَ، تُعاقَب، وإن نُطِق بها أكثر مما ينبغي، تُحوَّل إلى تهمة.
أحد عشر عامًا وأنا أتعلم فنّ الاختفاء؛
كيف أُخفي الفكرة في صدري، وكيف أتركها تسبح داخلي بلا أثرٍ خارجي، مثل اسم الوطن حين يُهمَس به خوفًا لا خيانة.
لم أُسجَن لأنني سرقت، ولا لأنني قتلت،
بل لأنني عشقت وطني كما لا يُسمَح للعشّاق أن يعشقوا.
في الزنزانة، كان الوطن فكرة محرّمة،
وكان الحنين جريمة مؤجَّلة،
وكان الصمت لغة النجاة الوحيدة.
كنت أكتب في رأسي، على جدرانٍ لا تُرى، وأمحوه فورًا، كأنني أتدرّب على النسيان القسري، لا على الحرية.
حين خرجت، اكتشفت أن الأسر لم ينتهِ.
المنفى ليس مكانًا آخر فحسب،
المنفى أن تعود ولا تجد نفسك،
أن تبحث عن وطنك فلا يتعرّف عليك،
أن تكتشف أن من ضحّيت من أجلهم قد اعتادوا غيابك، أو صدّقوا رواية سجّانك.
كتبتُ كما يُكتب على الماء لأن الخذلان علّمني أن الأثر الواضح يُخيفهم،
أما الأثر الخفي، فيتسلّل.
كلماتي لم تكن تبحث عن تصفيق، بل عن نجاة.
وإن مُحيت من السجلات، فقد بقيت شاهدة في داخلي.
أحد عشر عامًا سرقوها من عمري،
لكنهم لم ينتزعوا سبب الأسر:
حبّ الوطن.
وهذا ما لم يفهموه؛
أن من يُحب وطنه حقًّا،
قد يكتب على الماء…
لكن قلبه يظلّ من حجر.