ماءٌ على أعتاب تل الزينبية.. ذاكرة عاشوراء الغضب
عبدالهادي البابي
في سكون أواخر عام 1979 ، وبالتحديد في ضحى العاشر من محرم ، كانت كربلاء على موعدٍ مع فاجعةٍ تتجدد. لم تكن (ركضة طويريج) في ذلك العام مجرد طقسٍ للعزاء ، بل تحولت إلى صرخة دموية في وجه الطغيان ، حين التقت جموع الزائرين بآلة القمع البعثي، على خلفية الاعتقال الثاني للشهيد الصدر (رضوان الله عليه).
مسار الفجيعة
كنتُ هناك ، شاهداً حياً تفيض الذاكرة بصور تلك الأحداث . بدأت الركضة بهتافات حسينية خالصة، انطلقت الحشود من قنطرة السلام صوب مرقد الإمام الحسين، ثم العباس، طائفةً حول ساحة الأورزدي باتجاه المخيم الحسيني ، حيث يُختتم العزاء بحرق الخيام هناك .
لكنّ القدر الثوري غيّر المجرى، إذ انبرت مجموعة من شباب النجف الغيارى، رافعين لافتات تندد بالنظام وتطالب بفك قيد السيد الصدر. انشقوا عن مسار الركضة المعتاد، وعادوا أدراجهم نحو مرقد الإمام الحسين بهتافٍ زلزل الأرجاء:
(عاش عاش عاش الصدر.. والدين دومه منتصر).
في تلك اللحظة، اختلطت المشاعر، تفرق البعض رهبةً من جلاوزة الأمن والمخابرات الذين اصطفوا كالغربان على طول الأرصفة ، ولم يصمد في قلب العاصفة عند باب القبلة إلاّ ثلة من الشباب لا يتجاوزون المئة ، كنتُ أنا - ابن الستة عشر ربيعاً- واحداً منهم، أهتفُ بملء رئةٍ أتعبها السخط على نظامٍ غيّب أحبتي وأعدم شباب عائلتي ظلماً وعدواناً.
حصار (التل الزينبي).
حين أُوصدت أبواب الصحن الشريف في وجوهنا، انحرفنا نحو (باب الشهداء). وهناك، في المنطقة الضيقة المحصورة بين مقام التل الزينبي وجدار الصحن، وقعت الواقعة. حاصرتنا قوات الأمن وعناصر الحزب مدججين بالهراوات والأسلاك الغليظة، بدأت السماء تمطر قنابل دخانية حارقة، تلاها هجوم وحشي استهدف الرؤوس والأجساد.
رأيتُ شباب النجف يواجهون الرصاص بصدورٍ عارية، ورأيتُ ثلاثة منهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة أمام عينيّ، بينما كانت الدماء تصبغ الإسفلت. كنتُ أنزفُ بغزارة، لكنّ دشداشتي السوداء كانت تستر جراحي وتخفي لون دمي عن عيونهم.
بلغ بي الإنهاك مبلغه، وكدتُ أهوي صريعاً تحت وطأة الضرب، لولا رعاية الله التي تجسدت في قلوب نساءٍ عجائز كنّ جالسات قرب التل، يندبن الشباب ويستنكرن بصرخاتهن وحشية الجلادين. في لحظةٍ فارقة، أفلتُّ من قبضة الأمن وألقيتُ بنفسي في حضن إحداهنّ...غطتني بعباءتها كأنها (زينب) تأوي غريباً،
ولما دنا منها الجلاوزة، ذرفت دموعها قائلة:
(ها خاله شتردون؟ هذا وليدي جان بالزيارة وهسه أجاني تعبان، ماله غرض بهالناس).
وبينما كانت هي تداريهم، سحبتني نساءٌ أخريات من ذراعي، وفسحن لي طريقاً للفرار نحو زقاق (سوق الزينبية).
العودة من الموت
لبثتُ في أزقة الزينبية لساعات ، ألملم أنفاسي وأمسح آثار الفجيعة عن وجهي . وبعد أن استعدتُ قدراً من توازني، تسللتُ بحذرٍ شديد، مخاتلاً مفارز الأمن التي كانت تفتش في الوجوه عن بقايا ثورة، حتى وصلتُ أخيراً إلى دارنا في (المصلخ القديم منطقة الدبات)..
ختاماً.. هذه الشهادة التي قرأتها في مؤتمر استذكار السيد الصدر، ليست مجرد قصة ، بل هي جزء من دينٍ في أعناقنا لرجلٍ ضحى بدمه لنحيا كراماً. فسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم جاهد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً.