الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التاريخ يعيد نفسه

بواسطة azzaman

التاريخ يعيد نفسه

ماهر نصرت

 

حين نتأمل حركة التاريخ  ، نكتشف ان الاحداث الكبرى لا تختفي تماماً بل تعود بأشكالٍ جديدة وفي أزمنة مختلفة ، وكأنها تعيد عرض المشهد ذاته ولكن بملابس وعدة اخرى ، ولعل من أوضح الامثلة على ذلك ما شهدته منطقتنا في زمن الحروب الصليبية وما يجري فيها اليوم من تحشيد عسكري وسياسي في الشرق الاوسط حول ايران ومحيطها .

لقد بدأت الحروب الصليبية في اواخر القرن الحادي عشر الميلادي وتحديداً في سنة 1095 عندما دعا البابا أوربان الثاني في مجمع كليرمونت في فرنسا الى حملة عسكرية كبرى نحو الشرق تحت شعار تحرير بيت المقدس من المسلمين واستمرت هذه الحملات على شكل موجات متتابعة حتى اواخر القرن الثالث عشر الميلادي تقريبا سنة 1291 حين سقطت آخر القلاع الصليبية في مدينة عكا ، وخلال تلك القرون تحركت من القارة الاوربية مئات السفن عبر البحر المتوسط وكانت تحمل عشرات الآلاف من الجنود والفرسان الذين يضعون الصليب على صدورهم وراياتهم وكانت الدعاية الدينية تصور تلك الحملات على انها مهمة مقدسة هدفها حماية الاماكن المقدسة للمسيحيين في القدس لكن الواقع السياسي والاقتصادي كان اكثر تعقيدا فقد كانت تلك الحملات ايضا وسيلة للتوسع والسيطرة على طرق التجارة والثروات في المشرق العربي الذي كان يمثل حلقة الوصل بين الشرق والغرب .

بلاد الشام ....

لقد شهدت سواحل الشام ومصر وصول جيوش ضخمة من فرنسا وانكلترا والمانيا وايطاليا وغيرها من دول أوربا وكانت السفن تمخر البحر المتوسط تباعاً محملة بالرجال والسلاح والمؤن في مشهد عسكري هائل لم يعرفه العالم من قبل ، وكان الهدف المعلن هو تحرير القدس لكن النتائج كشفت ان الصراع كان ايضا صراعاً على النفوذ والمصالح والسيطرة على الممرات التجارية الحيوية التي تربط اوربا ببلاد الشرقالادنى والاقصى .

واليوم وبعد مرور قرون طويلة يبدو ان المشهد يُعاد مرة اخرى ولكن بلغة مختلفة وشعارات جديدة ، فبدل شعار تحرير القدس نسمع اليوم شعارات القضاء على البرنامج النووي الايراني ومنع ايران من امتلاك القوة الصاروخية التي يمكن ان تهدد التوازن العسكري في المنطقة وقد بدأت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بحشد قواتها العسكرية في البحار والممرات القريبة من الخليج العربي والبحر الاحمر والمحيط الهندي وكأن المنطقة تقف مرة اخرى على حافة مواجهة كبرى لايُحمد عقباها اذا ما تدخلت الدول المعارضة للتدخل الغربي في المنطقة مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية .

واذا نظرنا الى الخريطة نجد ان ايران التي تورطت بسببها المنطقة تقع في قلب منطقة حساسة للغاية فهي تجاور الاراضي العربية وتقع بالقرب من اكبر منابع النفط والغاز في العالم كما تشرف بصورة غير مباشرة على ممرات بحرية استراتيجية مثل مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من النفط الذي يغذي مصانع الدول الصناعية في الغرب والشرق على حد سواء ولذلك فان اي صراع كبير في هذه المنطقة لا يتعلق فقط بملف نووي او برنامجها الصاروخي بل يرتبط ايضا بمسألة السيطرة على مصادر الطاقة العالمية وضمان تدفقها بصورة دائمة الى الدول الصناعية الكبرى .

 

دمج الامارات الصغيرة

ويرى بعض المحللين والمفكرين ان التحشيد العسكري الحالي قد لا يتوقف عند حدود سحق ايران بل قد يتطور الى مشروع اعادة تشكيل الخريطة السياسية في المنطقة ويستند هؤلاء الى تسريبات واخبار تتحدث عن تصورات يجري تداولها في بعض دوائر القرار الغربية تتعلق بترتيبات جديدة في الخليج العربي حيث يقال ان الامارات الصغيرة قد تندمج مع المملكة العربية السعودية من اجل تشكيل كيان اكبر واكثر قدرة على ادارة المنطقة من منظور المصالح الغربية كما يتردد في بعض التحليلات من احتمال اعادة الكويت الى العراق والغاء اقليم كردستان وضمه الى بغداد ثانية  في اطار ترتيبات سياسية جديدة يقال انها تهدف الى تبسيط التعامل الدولي مع دولتين كبيرتين هما العراق والسعودية بدلاً من تعدد الكيانات الصغيرة وتعقيد التعامل مع امرائها وسلاطينها .

ومهما كانت صحة هذه التحليلات فان القاسم المشترك بينها هو تصور قيام نظام اقليمي جديد تكون فيه الدول الكبرى في المنطقة مرتبطة بشكلٍ وثيق بالسياسات الغربية وتعمل ضمن منظومة استراتيجية تضمن استمرار تدفق النفط والطاقة وتحافظ في الوقت نفسه على أمن اسرائيل وتمنع ظهور اي قوة اقليمية قد تشكل تهديداً مستقبلياً لها ويبدوا ان هذا الامر يعود الى رغبى كبيرة لاكثر من 90% من الشعوب العربية في المنطقة على الاقل الذي اتعبتها الحروب والتشرد .

وسط هذه الحسابات الكبرى تقف شعوب المنطقة وهي التي دفعت في الماضي ثمناً باهظاً للحروب والصراعات فالشعب العراقي على سبيل المثال عانى خلال العقود الماضية من حروب متتالية وحصار اقتصادي طويل ثم صراعات داخلية وفساد سياسي واسع جعل المواطن يشعر بالارهاق وفقدان الامل وهو يرى ثروات بلده الهائلة تُسرق وتذهب الى جيوب الفاسدين والمتنفذين الذين يدعون الوطنية والاخلاص للشعب .

ان الشعوب العربية عموماً والشعب العراقي خصوصاً لا يتطلعون الى حروب جديدة ولا الى مشاريع تقسيم او اعادة رسم خرائط بل يتطلعون الى زمن من الاستقرار والهدوء يسمح لهم ببناء دولهم واصلاح اقتصادهم وتوفير حياة كريمة لأبنائهم بعد سنوات طويلة من المعاناة .

ومن هنا فان قراءة التاريخ ليست مجرد استذكار لأحداث مضت بل هي محاولة لفهم الحاضر وتجنب اخطاء الماضي فالتاريخ يعلمنا ان القوى الكبرى كثيراً ما تتحرك بدافع المصالح قبل الشعارات وان الشعوب هي التي تدفع في النهاية ثمن الصراعات الكبرى ولذلك فان الوعي بالتاريخ وبما جرى في زمن الحملات الصليبية يمكن ان يساعد شعوب المنطقة على قراءة ما يحدث اليوم بعيون أكثر يقظة حتى لا يتكرر المشهد مرة اخرى بطريقة اشد قسوة على هذه الارض التي عانت كثيرا عبر القرون .

 


مشاهدات 25
الكاتب ماهر نصرت
أضيف 2026/03/10 - 1:27 PM
آخر تحديث 2026/03/11 - 1:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 103 الشهر 9114 الكلي 15001183
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير