الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تَلَقّي الأَخبارِ السّياسيَّةِ  وَ الزَّمنُ الرَّقميّ وغربةُ الإنسَانِ عنْ نفسهِ

بواسطة azzaman

تَلَقّي الأَخبارِ السّياسيَّةِ  وَ الزَّمنُ الرَّقميّ وغربةُ الإنسَانِ عنْ نفسهِ

كريم عبيد علوي

 

             فيْ ذروة تنامي الصراعاتِ والحروب والكوارث الطبيعيَّة والإنسانيَّة لا يملك الفردُ المشاهدُ للأخبار أو القارئ للصحف إلا أنْ ينفعلَ وجدانياً متألماً لعذابات الضحايا ناقماً وساخطاً من حماقات القادة وتجار الحروب وسماسرتها . وهو يراقب ما يُذهل من فواجع وصدامات في عصرٍ ينحسرُ فيه الزمنُ الاجتماعيّ في إيقاعه اليوميّ المشحون بالتفاصيل العملية لحساب الزمن الإعلامي الرقمي ، فيستقبل من الأخبار والتحليلات السياسية والعواجل السريعة التي تنقل الأحداث أولاً فأولاً بما يرهقه ذهنياً ويرفع من وتيرة القلق والتَّرقب إزاء أحداث متطورة ومتنامية بما يفوق التَّوقع لا سيما أحداث الشَّرق الأوسط وحروبه الأخيرة ، فيبقى متسمراً أمامَ الشَّاشة لساعاتٍ طويلةٍ .  

فالتطورُ التكنولوجيّ ورقي الحياة أتاحَ وفرةً في زمن الإنسان الاجتماعيّ اليوميّ بسبب أنَّ الآلة ومكتسبات الحداثة التَّقنيَّة اختصرتْ جهدَ الإنسان البدني وأتاحت له الوقت بيد أنَّ الماكنة الإعلامية في عصرنا الرقمي جعلته مستغرقاً في الزمن الإعلامي مشدوداً لشاشات الموبايل والحاسوب وشاشات الفضائيات ، فالحداثة الرقميَّة لم تفتتْ أواصرَ القربى وتؤثر في العلاقات الاجتماعية بل جعلتِ المرءَ غريباً عن نفسه . ويكونُ المرءُ غريباً عن نفسه حينما يكفُّ عن أن يخلو لنفسه  ويكفُّ عن أن يُعْمِلْ خيالَهُ وفكرَهُ في مساحةٍ واسعةٍ من التَّأمل تتيحُ له مراجعة نفسه فيفتقدُ السكينة التي تفترشُ بساطَ الهدوء وأعمال الفكر  . والأخبار بما تحمل من إثارة وتهييج للرأي العام برفعها لوتيرة القلق الجمعيّ لاتساع رقعة الحرب سوف تذكي الجدل والنّقاش المفرط حتى بين الأفراد البسطاء وهم يتداولون الأخبارَ والتحليلاتِ السياسيَّة ، فيتحول الحوارُ ـ غالباً ـ إلى ثرثرة مفرطة ولجاجة متطرفة تستغرق في أحادية الرأي. وقد تتقنع الخلافاتُ الشخصية والاجتماعية بقناع رمزي يستتر بغلالة الأخبار المتناقضة فتنشأ على هامش الأخبار حلبة تتصارع في الأهواء والآراء بين المشاهدين فيقعوا فريسهم التضليل الإعلاميّ وتدهشهم صدمةُ الصورة وسطوتها وما يصاحبها من مؤثرات صوتية وموسيقية ترفع من معدل الانفعال وتوتر المشاهدين ؛ في وقت أصبحَ يميلُ فيه الكثيرُ من مذيعي نشرة الأخبار  إلى الأداء الدراميّ ، فهم لا يكتفون بقراءة النشرة الإخبارية بنبرة حيادية بل ثمة نغم موسيقي مُتكلف ومتصنع مصاحبٌ للمقروء ، فقد تكون النغمةُ  متهكمةً أو ساخرةً أو منفعلةً ، فلا يكتفي المذيع بنقل الخبر بل يحاولُ التأثيرَ في المشاهد من خلال تصدير رؤيته التي تجسد رؤية القناة التي يطلُّ من خلالها من خلال  النغم الموسيقي ولغة الجسد وهو يتفاعل ويتواصل بصرياً مع زميله الذي يشاركه بقراءة نشرة الأخبار مستغربين أو متعجبين من تحليلات أو أخبار ينقلانها للمشاهد في حين تحتم الأخلاقُ المهنيةُ الإعلاميَّةُ الحيادَ والموضوعيَّةَ ، وكلُّ ذلك من شأنه أنْ يُرسلَ رسائل وجدانية يتأثر بها المشاهدون عاطفياً . وإزاء هذا المعضل الاجتماعيّ والمعضل النفسيّ الذي يصادر من الإنسان هدوءه  ويسلبه مراجعة الأحداث ونقدها والتأمل فيها  يرتسم الخيارُ الأمثل  بتلقي الأخبار عبر الصحف الورقيَّة التي شهدت انحساراً أمام الصحافة الإلكترونية ــ مما يؤسف له ــ  فتلقي الأخبار ورقياً من خلال الصحف يخفّض توتر القارئ بسبب غياب المؤثرات الصوتية والجسدية ، فالمكتوبُ يُغيّبُ لغة الجسد والدلالة الصوتية الانفعالية الوجدانية ، ولا يمكن أنْ يتفاعلَ المنشورُ الورقي مع وسائط إعلامية مصاحبة مثل البث الفضائيّ الذي تصاحبه الصورة السريعة والفيديو والمؤثرات الصوتية إلى جنب أنَّ الفيديوهاتِ التي تتخذ صيغة الريلز في الفيس واليوتيوب سوف تستدعي نظائرنا المتشابهة فتدفع المشاهد لمواصلة المتابعة فيرتفع منسوب القلق ويصاب المشاهد بـ ( عف الدماغ) ، فالمعالجة العصبيَّة للمعلومات إزاء التدفق الإخباريّ تقل كفاءتها ؛ بينما يمتلك القارئ بعد انتهاء الخبر أو المقال المكتوب أَنْ يقلبَ الصفحة السياسيَّة إلى صفحة رياضيَّة أَو صفحة فنيَّة أو يطوي الصحيفة  كلها جانباً فضلاً عن أن القراءة ترتبط بالهدوء والسكينة . فتخفّض القراءة الورقية من عادات الإدمان الرقمية و تعيدُ الانسان إلى نفسه وفكره من خلال التأمل وأعمال النَّظر فيما يقرأ وتنتشله من كسل الجهاز العصبيّ التي تخلقه الصورة وكثافة استقبالها وفي الوقت نفسه تُخفّض منسوب استقبال الأخبار  كمياَ وتنتشلُ الإنسانَ من الإجهاد الذهني إزاء زحام المعلومات التي تبثها الفضائياتُ ، فالخطاب الإعلاميّ المتلفز فيه فائض من المعنى منشؤه التَّكرار ، والصحيفة هي الخيار المناسب في تقليل الإرهاق البصريّ والحفاظ على صحة العين من خطر أشعة شاشات التلفاز والحواسيب  . والحق أنَّ المطالعة الورقيَّة لا يمكنُ أنْ تكونَ هي البديل الإعلاميّ في تلقي الأخبار عن الفضائيات والوسائط الرقميَّة الأخرى بسبب سرعة الأحداث وتطورها وتقدّمِ الوسائلِ الإعلاميَّة في تغطية الأحداث ،ولكنَّ المرء بحاجة إلى سلام نفسيّ وهدوء في العودة إلى ذاته والتَّأمل في الأحداث دون الانفصال عن مراقبة الأخبار، وهذا ما تتيحه الصحيفة الورقيَّة ولا يتيحه غيرُها من وسائط إعلاميَّة مختلفة  .

          *باحث وتدريسي بجامعة بغداد .


مشاهدات 44
الكاتب كريم عبيد علوي
أضيف 2026/03/09 - 2:20 PM
آخر تحديث 2026/03/10 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 73 الشهر 8179 الكلي 15000248
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير