أي شرق أوسط سيتشكّل ؟
توازنات حذرة أم ساحات مفتوحة لصراعات لا تنتهي؟
انتظار العظيمي
في كل جولة تصعيد جديدة في الشرق الأوسط، يتكرر السؤال ذاته: هل المواجهة الدائرة تستهدف دولة بعينها، أم أنها حلقة في مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة سياسياً وأمنياً؟ اختزال المشهد في عنوان “حرب على إيران” قد يبدو مريحاً في الخطاب الإعلامي، لكنه لا يعكس بالضرورة تعقيد الواقع وتشابك مصالحه.
الصراع الحالي يتجاوز حدود الردع التقليدي بين دولتين. فالتوتر بين إسرائيل وإيران ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسنوات من المواجهة غير المباشرة، سواء في الساحات الإقليمية أو عبر حرب الظل الاستخبارية. ومع صعود حكومات يمينية متشددة في إسرائيل، خاصة في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تصاعد الخطاب الأمني الذي يضع “الخطر الإيراني” في صدارة الأولويات الاستراتيجية.
سيولة سياسية
غير أن قراءة أوسع تشير إلى أن المواجهة لا تنفصل عن سياق إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. المنطقة تعيش منذ أكثر من عقد حالة سيولة سياسية وأمنية: دول منهكة بالحروب، أنظمة تعيد تعريف أدوارها، وقوى إقليمية تسعى لتوسيع نفوذها. في هذا المشهد، تتحول أي مواجهة كبرى إلى فرصة لإعادة ترتيب الأوراق. هناك من يطرح مفهوم “إسرائيل الكبرى” باعتباره إطاراً تفسيرياً لما يجري، مستندين إلى أطروحات أيديولوجية لدى بعض التيارات الدينية والقومية في إسرائيل. لكن من المهم التمييز بين الخطاب الأيديولوجي والسياسة العملية. فالدول، في نهاية المطاف، تتحرك وفق حسابات القوة والمصلحة، لا وفق الشعارات وحدها. ومع ذلك، فإن استمرار الاستيطان وتكريس الوقائع على الأرض في الأراضي الفلسطينية يمنح هذا الطرح زخماً في الوعي الشعبي العربي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل دور إيران الإقليمي خلال العقدين الماضيين. تدخلها في العراق وسوريا ولبنان واليمن أسهم في إعادة تشكيل خرائط النفوذ، وأثار مخاوف خصومها. هذا الحضور جعلها لاعباً مركزياً في أي معادلة صراع، لكنه في الوقت ذاته وضعها في مواجهة مباشرة مع مشاريع مضادة تسعى إلى تحجيم نفوذها.
الأخطر في المشهد ليس فقط المواجهة العسكرية، بل خطاب الاصطفاف الطائفي والديني الذي يرافقها. تصوير الصراع كحرب عقائدية يوسّع دائرة الاستقطاب ويُضعف فرص التسوية. فحين يتحول النزاع السياسي إلى صراع وجودي، تصبح التسويات أكثر تعقيداً، ويغدو الشارع أكثر قابلية للتعبئة والانفعال.
أما الدول العربية، فهي تجد نفسها بين حسابات متضاربة: الحفاظ على الاستقرار الداخلي، تجنب الانخراط المباشر، وموازنة علاقاتها بالقوى الدولية والإقليمية. غير أن أي تصعيد واسع سيترك بصماته على الجميع، اقتصادياً وأمنياً، بغض النظر عن موقع كل دولة في خريطة التحالفات.
نظام اقليمي
في النهاية، قد لا تكون المسألة حرباً على إيران فقط، ولا مشروعاً توسعياً مكتمل الأركان كما يتخيله البعض، بل صراعاً مفتوحاً على شكل النظام الإقليمي القادم. السؤال الحقيقي ليس من سيكسب الجولة، بل أي شرق أوسط سيتشكل بعدها: شرق أوسط توازنات حذرة، أم ساحات مفتوحة لصراعات لا تنتهي؟