عن أية سيادة يتحدّثون ؟
عبد الحسين شعبان
كان مجرّد تغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب كافية لكي ترتعد فرائص السياسيين القابضين على السلطة والطامحين إليها، بل ذهب البعض منهم إلى تملّق تاجر عقارات أو عقاقير باعتباره مبعوثًا خاصًا للرئيس، فأين السيادة المزعومة التي يتحدّثون عنها؟ في الوقت الذي لا يستطيع نواب أكبر كتلة فازت بالانتخابات من اختيار رئيس وزراء للحكومة المقبلة.
هكذا بدأ نوع من التهافت لدرجة أخذ الجميع يضرب أخماسًا بأسداس عن ماذا يُرضي واشنطن؟ واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية بحوارات ساخنة ونقاشات حادة واتهامات متبادلة بخصوص السيادة وجوهرها ومستقبل العراق، وينسى أو يتناسى المتصدّون أن العراق مجروح السيادة منذ فرض القرارات الدولية المجحفة عليه، وخضوعه لنظام العقوبات بسبب مغامرة غزو القوّات العراقية للكويت في 2 آب / أغسطس 1990، والتي ما تزال آثارها وتبعاتها مستمرّة إلى اليوم.
وعلى الرغم من الإطاحة بالنظام السابق في العام 2003، إلّا أن السيادة ظلّت معوّمة ومرتهنة، وقد كان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 الصادر في 22 أيار / مايو 2003 صريحًا وواضحًا حين اعتبر قوات التحالف التي غزت العراق «قوّات محتلّة»، وبالطبع فإن هذا يرتّب عليها واجبات وحقوقًا، إلّا أنها تجاوزت على ما هو منصوص عليه في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بما فيها اتفاقيات جنيف الأربعة (12 أب / أغسطس 1949) وملحقيها (جنيف – 1977)، فقامت بتغييرات بنيوية أساسية ليس من حقّها، كما صمّمت نظامًا سياسيًا على هواها، حيث أسّست عملية سياسية استنادًا إلى براديغم (موديل) قائم على المحاصصة والتقاسم الوظيفي، الإثني والطائفي.
مجلس حكم
وبدأ الأمر بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي الذي سارت عليه الحكومات المتعاقبة، حتى أصبح الولاء داخل الجماعة يقوم على التخادم والزبائنية السياسية، وصارت المكوّنات هي الأساس بالتمثيل، وليست المواطنة والكفاءة الفردية والنزاهة الشخصية، وقد قُنّنَ مبدأ المكوّنات دستوريًا بعد أن نصّ عليه قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية (2004)، كما نصّ عليه الدستور الدائم (2005) أيضًا، حيث ورد ذكره مرتين في الديباجة وتضمّنته المواد 9 و12 و49 و125 و142 من الدستور الدائم، وقد ترافق معها مسألة مراعاة التوازن والتماثل دون تمييز أو إقصاء وغيرها من التعبيرات التي لا تعني سوى المحاصصة والتقاسم الوظيفي.
لقد مضى 23 عامًا على الإطاحة بالنظام السابق، إلّا أن مسألة إعادة بناء الدولة أصبحت أكثر تعقيدًا بغياب المفهوم العصري لمفهوم الدولة الذي يستند على المواطنة بدلًا من المكوّنات، فضلًا عن نقص الشرعية، بل وازدرائها، طالما كان الأمر الواقع يقوم على «الديمقراطية التوافقية»، على الرغم من إجراء انتخابات والحديث المتكّرر عن تداول السلطة سلميًا، إلّا أن الأمر يعود في نهاية المطاف إلى تغليب الفئوية الإثنية والطائفية، لتحلّ محل المواطنة المتساوية والمتكافئة، وثمة فروق جوهرية بين المكوّناتية والمواطنيّة، والأخيرة تقوم على الحريّة والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، ودائمًا ما أكرّر «نحن شركاء في هذا الوطن، وينبغي أن نكون مشاركين باتخاذ القرار».
وإذا كانت المواطنة حالة فردية تقوم على علاقة الفرد بالدولة، وهذه الأخيرة تتكوّن من مواطنين أحرار، وليس اتّحاد مكوّنات، في حين أن المكوّناتية تفترض حقوقًا أساسها المحاصصة والولاء والغنائم، وهو الأمر الذي يضع «الانتماء» المكوّناتي فوق المواطنة والهويّة الجامعة دون اختيار من الفرد ذاته، وعندها تغيب عن الدولة وحدة القرار ووحدة الإرادة والعمل.
حصر السلاح
ولذلك سنرى أنه لا وجود لقرار موحّد إزاء القضايا الكبرى: كالموقف من حصر السلاح بيد الدولة ومن وجود القواعد العسكرية الأمريكية والتركية ومن النفوذ الإيراني الفعلي وتغلغله في مفاصل الدولة، على الرغم من تراجعه مؤخرًا ومن تعديل الدستور وتطبيقاته على علّاته وعلى ألغامه الكثيرة ومن المناطق المتنازع عليها ومن قضايا النفط ومن قرارات المحكمة الاتحادية ومن المنافذ الحدودية ومن وجود أموال العراق في البنك الفيدرالي الأمريكي ومن قضايا السلاح والتسلّح وغيرها.
وعلينا ألّا ننسى أو نتناسى أن العراق مرتبط باتفاقية الإطار الاستراتيجي المبرمة بينه وبين الولايات المتحدة العام 2008، والتي حوّلت الاحتلال العسكري إلى احتلال تعاقدي، بالرغم من سحب القوات الأمريكية من العراق أواخر العام 2011 وعودتها بصفة خبراء ومستشارين بعد احتلال داعش للموصل في العام 2014 وبطلب من الحكومة العراقية، علمًا بأن البرلمان العراقي اتّخذ قرارًا بسحب القوات الأجنبية بما فيها القوات الأمريكية من العراق، ولكن دون إجماع، بل بمقاطعة أعضاء «مكوّنين»، كما يحلو للبعض تسميتها، لجلسة التصويت.
السيادة ليست شعارات أو مزاودات أو مناكفات، بل هو مفهوم يشير إلى بسط السلطة العليا للدولة على إقليمها، وهو ما نحته الفيلسوف الإغريقي أرسطو، وهذا يعني قدرتها على حكم نفسها دون تدخّل خارجي، وتطوّر هذا المفهوم على يد الفلاسفة، الفرنسي جان بودان والإنكليزي توماس هوبز والهولندي هوغو غروتشيوس، ليعني حق الدولة في تقرير مصيرها.