الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إقتصاد العراق.. دولة غنية بالدولار عاجزة عن تحصيل الدينار

بواسطة azzaman

إقتصاد العراق.. دولة غنية بالدولار عاجزة عن تحصيل الدينار

حسين الفلوجي

 

يعيش الاقتصاد العراقي مفارقة يصعب فهمها او تفسيرها للوهلة الأولى: بلدٌ يحقق فوائض دولارية كبيرة من تصدير النفط، لكنه يواجه اختناقات متكررة عندما يتعلق الأمر بتوفير الدينار اللازم لتغطية التزامات الدولة اليومية. هذه ليست “أزمة عملة” بالمعنى التقليدي، بل أزمة تحصيل ديناري ودورة دخل مشوهة تُبقي الدولة معتمدة على مسار نقدي هشّ بدل مسار مالي طبيعي.

فالدولار الذي يأتي من النفط هو دخل خارجي لا يتولد من النشاط الاقتصادي المحلي، بينما التزامات الدولة الكبرى داخلية وتُدفع بالدينار: الرواتب، التقاعد، الإنفاق التشغيلي، العقود، والخدمات.

ظروف اعتيادية

ولتوفير الدينار، تعتمد المالية عملياً على تحويل دولار النفط عبر البنك المركزي إلى دينار. هذا المسار قد يبدو كافياً في الظروف الاعتيادية، لكنه يصبح حساساً عندما تتغير بيئة التحويلات والامتثال المصرفي، أو عندما يتراجع تدفق الدولار عبر القنوات الرسمية، أو يتصاعد الطلب على العملة الأجنبية، فتظهر فجوة دينارية في خزينة الدولة رغم استمرار تدفق النفط.

جوهر الأزمة الاقتصادية في العراق هي أن الدولة تنفق الدينار أكثر مما تستعيده كإيرادات دينارية حقيقية. ففي الاقتصاد الطبيعي، تعود السيولة إلى الخزينة عبر الضرائب والرسوم والجمارك وتعرفة الخدمات وأرباح الشركات العامة. أما في العراق، فهذه المنافذ تعاني ضعفاً بنيوياً: اقتصاد كاش واسع خارج النظام المصرفي، تهرب وتحايل، تفاوت في التطبيق، واستنزاف في منافذ الحدود والموانئ حيث يفترض أن تكون الجمارك والتعرفة مصدراً رئيسياً للدينار. أضف إلى ذلك تسعيراً إدارياً ودعماً غير منضبط في قطاعات خدمية واستهلاكية يجعل الدولة تتحمل كلفاً دينارية كبيرة دون تحصيل مقابل يوازيها، فتتضخم فجوة التمويل.

الحل يبدأ من إعادة تصميم دورة الدخل بحيث يصبح للدولة “مسارات” ثابتة من الإيرادات الدينارية يخفف اعتمادها على هندسة تحويل النفط.

وهذا يتطلب أولاً إصلاح منافذ التحصيل ذات العائد المرتفع سياسياً واقتصادياً: ضبط المنافذ الحدودية، توحيد إجراءات الجباية، توسيع الدفع الإلكتروني، وتفعيل التحصيل في الخدمات البلدية والكهرباء والماء وفق تعرفة عادلة ومتدرجة.

مشتقات نفطية

 ثانياً، مراجعة مفاصل الدعم والتسعير في القطاعات النزّافة مثل المشتقات النفطية وبعض مفردات الإنفاق الاجتماعي، ولكن بصورة تدريجية مقرونة بحماية اجتماعية واضحة ودعم نقدي مباشر للفئات الهشة حتى لا يتحول الإصلاح إلى صدمة معيشية. وثالثاً، تنظيم العلاقة التشغيلية بين المالية والبنك المركزي عبر إدارة نقد حكومي أكثر انضباطاً، وجدولة تدفقات، وأدوات دين داخلية شفافة تغطي الفجوات بدل الحلول الارتجالية.

في النهاية، وفرة الدولار ليس بالضرورة ان تتحول إلى استقرار مالي ما لم تمتلك الدولة القدرة على تحصيل الدينار واسترداده بعد إنفاقه.

وعندما تصبح الإيرادات الدينارية أداة سيادة وكفاءة وعدالة، يمكن عندها فقط تحويل الثروة النفطية من فائض معلق إلى اقتصاد يعمل.

 

  باحث بالاقتصاد السياسي

 


مشاهدات 66
الكاتب حسين الفلوجي
أضيف 2026/02/25 - 12:25 AM
آخر تحديث 2026/02/25 - 4:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 152 الشهر 19516 الكلي 14951159
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير