الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لوحة النواعير لرياض الدليمي.. أساليب مبتكرة

بواسطة azzaman

لوحة النواعير لرياض الدليمي.. أساليب مبتكرة

أمل صيداوي

 

حين تأمّلت اللوحة شعرت بعجلات النواعير الخشبية التي تلامس سطح الماء كأنها أصابع عملاقة تبحث عن سر الحياة ودوامة الذكريات وتخيّلتها تتكلم وتغنّي ألحان الازدهار القديم للمدينة، وتهمس بحكاياتها التي أطلقت موسيقى تشبه نبض الحياة نفسها بما تحتويه من الأفراح والأتراح والتي تشهد على إبداع الإنسان العراقي القديم في التكيّف مع الطبيعة وتطويع النهر للزراعة حيث دارت هذه النواعير كي تحوّل النهر إلى شريان يسقي وينعش الأحياء والبساتين.تظهر بصمة الفنان رياض ابراهيم الدليمي في حواره الفني مع الفن الرقمي، وكانت المبادرة من الفنان بينما قامت برامج الفن الرقمي بالتنفيذ.

نسّق الفنان الألوان والخطوط والأسلوب الفني والفكرة، في التشكيل الفني ويُعدّ هذا التداخل تعبيراً عن التناغم  بين عناصر الحياة المختلفة، بحيث وازن اللون الأصفر بين روعة الأزرق ونضارة الأخضر، بينما برز دور اللون الأبيض في دمج وتفتيح التكوين ككل. وظّف الفنان في اللوحة الأثر والموروث العراقي حيث ارتبطت النواعير تاريخياً بحضارات ما بين النهرين، واستخدِمت منذ آلاف السنين كأداة هندسية تقليدية مبتكرة لرفع المياه من نهر الفرات إلى الأراضي المرتفعة والبساتين، وأطلق العراقيون اسم «الناعور»على النواعير نسبة إلى الصوت الخاص الذي تصدره أثناء دورانها والذي يسميه الأهالي بـ «النعير»، وهو صوت يروي حكايات الماضي. تعرّفنا من خلال اللوحة على أمكنة تواجد النواعير في العراق تحديداً على ضفاف نهر الفرات (هيت، عانة، القائم). وعلى سمات الهوية الشخصية العراقية في صمودها وتعايشها السلمي مع الطبيعة.

تجلّت الشخصية العراقية في النواعير كرمز للتراث، الصبر، والارتباط الوثيق بالأرض ونهر الفرات.وعكست هذه الآلات الخشبية التي تكثر في مناطق مثل هيت وعانة والفرات ديمومة الحياة، العشق للتراث، وتحدّي الظروف، حيث يرى العراقيون فيها صديقاً يروي بساتينهم وملاكاً حارساً يزيد غلالهم، مما يجسد روح المبادرة والحفاظ على الموروث الثقافي.

تألقت النواعير في اللوحة وكأنّ روحاً بُثّت فيها لتتكلّم وتقول أنه لايوجد مثيل لي عبر الزمن خلقتُ من أخشاب أشجارٍ تنبض عروقها بالمحبة وسوف أبقى وفيّة لتلك الأرض التي أنتمي إليها وأفوح برائحتها وهي رمز للحياة لأنها تغنّي على ضفاف النهر وتعلن بصريرها بداية الصباح.

تعود جذورالنواعير في العراق إلى الحضارات السومرية والبابلية، حيث تُعد وسيلة ري تقليدية أصيلة نقلت المياه من الفرات إلى البساتين لآلاف السنين.

يقول الشاعر وليد مهدي العاني في معلقته الشهيرة (بكائية عروس النواعير ) في لوحة امتزج فيها التاريخ بالشاعرية معاً:

من غابر العهد تبكيها مولهة …… هذي النواعير إحساساً بآتيها

كأنما قد رأت (رؤيا) تخبرها …. بساعة الموت فانهلّت بواكيها

تذكّرنا لوحة النواعير بالأغاني والأهازيج العراقية التي تغنّت بالنواعير كرمز للأصالة والعشق والحزن الفراتي، حيث ارتبط صوتها بـ «الونين» والألم العاطفي، كما تعكس الأغاني اعتزاز العراقيين بالنواعير كأداة تقليدية قديمة لري البساتين وتشكّل رمزاً للتراث العراقي، ومن أبرز الكلمات والأهازيج المتداولة:

«يا بو چرد ناعور أحا.. چردك د ديره»، وشعر يشبّه الشاعر فيه عُمْر الإنسان بتعب النواعير: «نزرع والحصاد الغيرنه ايصير.. العمر نـﮕضيه مثل تعب النواعير».

صوّرت الأغاني الشعبية التي كانت تأتي كلماتها غالباً في سياق المواويل البغدادية والفراتية التي تشبّه صوت دوران الناعورة (الـﭼرد) بنواح العاشق الذي يبثّ مشاعره وآلامه: «سمعت عنين الناعورة وعنينا شغل بالي.. أووف يابا ورجعت نواعيرنا تغني مواويلها» .

شعرنا أن اللوحة تناجينا لتذكّرنا بالشعراء العراقيين الذين تغنّوا بالنواعير وأبدعوا في تصوير ما يجيش في صدورهم من هموم وأحزان، فكان الشعر هو المعبرالوحيد والمتنفس لما يعتري القلوب المكلومة وللشاعر عبد العزيز حبيب العاني قصيدة جميلة يصف بها أنين النواعير وتأثيرها على العقول والقلوب:

نواعير الفرات لها أنين ……… تؤثر في العقول وفي القلوبِ

تدور وتطلق الأنات حرى …… وترقص رقص ناحة غضوب

فتوقظ كل خاطرة وذكرى …….. وتنكأ جرحنا وقت الغروب

اهتمّ الفنان من خلال لوحته بتوثيق عشق أهل الفرات للنواعيرالتي لم يعتبروها مجرد أداة، بل كائناً حياً صديقاً يملك روحاً، ويرتبطون بها عاطفياً يبوح عبد السلام طالب رشيد العاني بحبّه للنواعير في قصيدة جميلة نذكر منها:

أتدري أين هذا الزقاق …………. وهذي الديار وهذا الوطن

فهذا زقاق الرحى بالفرات …… تدور باعذب أصوات الشجن

وناعورة تخرق سكون الليالي …. فتبلغ الفجر وتجلى المحن

وتحكي لنا حكايات المساء …… فنرقد لا ندري بمهد أو كفن

كما يقول الشاعر الهيتي أمين الملا علي :

اجعلوا مدفني على الشطآن…… واجعلوا من رشاشها أكفاني

لا تصـــــــــــدوا الأمواج عني ….. . ولا ينأى حنين الناعور عن آذاني

أخيراً فإن لوحة النواعير تجعلنا نكتشف جمال وقِدَم وروعة هذه النواعيرالتي تعبّرعن الحضارة العريقة التي ارتبطت بوجود الإنسان والماء في العراق، ورمزاً للعشق لصوتها الغنائي الحزين الذي يرافق الفلاحين، وللحزن لأنها تجسد شقاء الحياة وزمن الغروب والذكريات.


مشاهدات 45
الكاتب أمل صيداوي
أضيف 2026/03/02 - 3:28 PM
آخر تحديث 2026/03/03 - 1:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 2409 الكلي 14956478
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير