الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سلامات للمبدعة لطفية الدليمي.. إبداعٌ يصمدُ، مرضٌ ينحني


سلامات للمبدعة لطفية الدليمي.. إبداعٌ يصمدُ، مرضٌ ينحني

ياس خضير البياتي

 

 

وُلدت لطفية الدليمي في عام 1943 في بغداد، في قلب العاصمة القديمة وبين ضفاف دجلة.

كانت مدينتها ليست مجرد مسرح للحياة، بل كانت مدرسة غنية بالمعرفة والثقافة.

تخرجت في تخصص آداب اللغة العربية، ولم تكن شهادتها سوى مدخل لعالم أكثر اتساعًا. هذا العالم يشمل الفكر والثقافة والعمل الاجتماعي.

بدأت مسيرتها المهنية في مجال تدريس اللغة العربية، حيث زودت طلابها بحب اللغة ووعيها، قبل أن تنتقل إلى مجال الصحافة والمجلات الأدبية، حيث شغلت منصب محررة لقسم القصة في مجلة الطليعة الأدبية ومديرة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية العراقية.

كانت كلماتها تتحول إلى نور، والنصوص التي تنشرها تضيف بُعدًا جديدًا لوعي القارئ العربي.

في حياة لطفية، المكتبة ليست مجرد مجموعة من الكتب، بل هي مدينة متكاملة من الحروف والصور والقصص. كل كتاب يُعد شارعًا، وكل صفحة نوافذ تطل على تجارب إنسانية، وكل فصل يمثل معبرًا إلى عالم داخلي شامل.

في مجموعاتها القصصية، من أعمالها الأولى إلى أحدث كتاباتها، تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى فضاءات وجودية.

في مؤلفي "ظلال المدينة" و"على عتبة الحلم"، تكتسب اللحظات الصغيرة طابعًا كاملًا، وكأن القارئ يتجول في شوارع بغداد، يشعر بأصوات المدينة ورائحة مقاهيها ومشاهد نهرها.

الشخصيات ليست مجرد وجودات؛ بل هي أصوات نابضة، وترتبط بشدة مع الزمان والمكان، حيث تحمل كل واحدة معاناتها وأحلامها، وكل حدث عابر يتسع ليصبح فضاءً للمعرفة والجمال.

أما في الروايات الكبرى: في "موسيقى صوفية"، تتدفق اللغة بقوة، حيث تتحرك بين الأزمنة وتذوب الموسيقى والصمت في تداخل السرد، مما يجعل اللغة تجسد الروح.

بينما يعيد "عالم النساء الوحيدات" صياغة وحدة المرأة بوصفها قضية مجتمعية وفكرية وصراخ وجودي، مشكلة صورة لمجتمع يواجه تحدياته، حيث يتقاطع الحرمان من الحرية مع البحث عن الهوية والذات.

في مجال النقد والمسرح: من خلال "نفي الأنثى من الذاكرة" و"جدل الأنوثة في الأسطورة"، تبرز لطفية عقلًا واسعًا ومرنًا يعي قوة اللغة والتحليل.

النقد يصبح أداة جمالية، والفكر جسدًا حيًا، واللغة تخلق جسورًا بين التراث والحداثة.

المسرح لديها يتجاوز مجرد النصوص المعروضة، بل هو حياة تتجدد، أسطورة نابضة، وتاريخ يتحرك، ووعي يتفاعل في كل مشهد.

لغتها ليست تجميعًا للكلمات، بل هي روح تنبعث بين السطور.

الحروف تتلألأ، الصور تتناغم، والنبرة تظل نابضة بين الفكرة والعاطفة، بين الحلم ثم الواقع.

كل جملة تتحرك كأنها روح، وكل حدث بسيط يتسع ليصبح عالماً خاصًا، وكل صمت يحمل العمق ذاته للشخصية وهدوء العاصمة وعمق الثقافة العراقية.

في كتاباتها، يصبح القارئ ليس مجرد متلقي، بل شريكًا في الإبداع، يستشعر الصوت، يتأمل الصورة، يقيم المعنى، ويكتشف البعد الإنساني في كل كلمة.

هذه المزاوجة النادرة بين البلاغة والعمق الفكري هي التي جعلت أعمالها تصل إلى القراء في العالمين العربي والدولي، فترجمت إلى لغات مثل الإنجليزية والبولندية والرومانية والإيطالية والصينية، ليس لأنها تتميز بالغموض أو الأوروبة، بل لأنها تعكس صدقًا إنسانيًا يتجاوز كل حدود جغرافية.

لم تكن مجرد كاتبة، بل كانت ناشطة ثقافية ومؤسسة للتغيير الاجتماعي. إن إنشائها منتدى المرأة الثقافي في بغداد عام 1992 ومركز "شبعاد" لدراسات حرية المرأة في عام 2004، بالإضافة إلى مساهماتها في الصحافة والمشاركة في الندوات العالمية، والكتابة في صحف عربية مرموقة، تمثل خطوات عملية في سبيل إعادة تمكين المرأة العربية من التعبير والوعي، ولم تكن مجرد صوت غائب في النقاشات.

لقد وضعت نموذج المثقف العربي الذي يدمج بين الإبداع، البحث، النقد، والترجمة، وبين الفكر والفعل، وبين الثقافة والنساء، وبين اللغة والهوية.

تعتبر بمثابة "معمارية السرد العربي"، حيث تتسم نصوصها ببناء مدروس: أساس ثابت، هيكل متين، تفاصيل بارزة، مع توزيع متناغم للمشاهد.

نفس الشيء يمكن قوله عن السرد عندها: تتمتع كل قصة، رواية، أو فصل ببنية محكمة.

الشخصيات والأحداث ليست عشوائية بل تتداخل لتشكل تجربة شاملة للقارئ. التفاصيل البسيطة—مثل رائحة الشارع، صوت النهر، أو لحظة صمت—تتحول إلى لبنات أساسية في النص، وليست زخارف بلا مغزى.

في مؤلفاتها، تظهر أحيانًا أكثر من زمن سردي أو وجهة نظر، لكنها تتداخل بشكل متقن، كما لو كانت طوابق متعددة في مبنى مترابطين وظيفيًا وجماليًا. حين يتصفح القارئ رواياتها ، يشعر وكأنه يتجول في مدن شاملة مليئة بالأحداث والعواطف والرموز.

المعمار الجيد في أعمالها لا يعتمد على الشكل الخارجي فحسب؛ بل له وظيفة دائمة تستمر عبر الزمن. وهذا ينطبق أيضًا على سردها: فهو يتضمن عمقًا فكريًا سواء في الثقافات أو النقد أو الفلسفة، مع جماليات اللغة القصصية، وأيضًا مع الصور الحية والإيقاع الموسيقي للنص، ومن خلالها يتمتع القارئ بتجربة غنية تجمع بين الاستمتاع والتفكير والتعلم في آن واحد.

كذلك تمتلك قدرة على الاستمرار والتأثير على مر الزمن، كما أن المباني المعمارية الناجحة تدوم، بل إن أعمالها تُدرس في الجامعات، تُترجم إلى عدة لغات، وتترك أثرًا بارزًا على الأدب النسوي والسرد العربي المعاصر. إن استمرار تأثيرها يعكس عمارة صلبة تثبت أمام التحديات.

واليوم، وهي تتلقى العلاج في إحدى مستشفيات الأردن لمواجهة فيروس قاسٍ، نشعر بحزن عميق: أولًا لأنها مبدعة قدمت الكثير لوطنها، وثانيًا لأن الوطن لم يمنحها حقها في الغربة، دون أن يسأل عنها أحد كما يسأل عن الأسماء الجديدة في الساحة الثقافية.

لطيفة الدليمي ليست مجرد كاتبة، بل هي معمارية لوعينا الثقافي، مبدعة للجمال والفكر، وعكاس لروح العراق الحديثة، وما زال تأثيرها الأدبي يشع حتى في صمت غرف المستشفى.

نحن نقف إلى جانبها اليوم، ليس فقط لأن التاريخ يذكر إسهاماتها، بل لأننا ندرك أن هذا الصمت—صوت الذين لم يعيروا اهتمامًا لها—لا يليق بها ولا بنا، فحقها علينا أن نشيد باسمها، أن نقرأ أعمالها، وأن نحتفي بها كما ينبغي، حتى لو كانت المسافات تفصلنا عن بعضها البعض، وحتى لو كان المرض يسعى لخنق جسدها، فإن إرثها الثقافي سيبقى خالدًا، أكبر من أي حدود، وأقوى من أي عقبات.

 


مشاهدات 56
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/02/10 - 3:44 PM
آخر تحديث 2026/02/11 - 1:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 74 الشهر 7872 الكلي 13939516
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير