الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يفقد العالم بوصلته الأخلاقية

بواسطة azzaman

حين يفقد العالم بوصلته الأخلاقية

محمد خضير الانباري

 

تابعتُ، كما تابع الملايين بل المليارات من البشر حول العالم، ما كُشف في الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقود القليلة الماضية من قضايا انتهاكات وجرائم جنسية، خاصة تلك المرتبطة بما عُرف إعلاميًا بملفات ما تسمى (جيفري إبستين) وما شابهها. هذه القضايا لم تكن مجرد حوادث فردية معزولة، بل كشفت، بحسب ما ورد في الوثائق والتقارير الإعلامية، عن شبكات معقدة تضم شخصيات نافذة من عالم السياسة والمال والاقتصاد، وأظهرت حجم الفساد الأخلاقي المستشري خلف واجهات براقة تدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية.

 لقد هزّت هذه الفضائح الرأي العام العالمي، لا سيما حين تبيّن تورّط سياسيين ومسؤولين ورجال أعمال مؤثرين، كانوا يتصدّرون المشهد الدولي بوصفهم رموزًا للديمقراطية وحقوق الإنسان. كما سلّطت الضوء على عالم مظلم من دور الدعارة المنظمة والانتهاكات التي تقشعر لها الأبدان، في مشاهد تعكس انحدارًا أخلاقيًا خطيرًا داخل منظومات يُفترض أنها تقود العالم نحو العدالة والاستقرار.

إن ما كشفته هذه الوثائق والأفلام الاستقصائية، في نظر كثيرين، يعكس رؤية نقدية حادة لمنظومات فكرية وسياسية يُنظر إليها على أنها فقدت بوصلتها الأخلاقية، وساهمت في تكريس الاستغلال وتدمير الإنسان باسم الحرية والمصلحة والنفوذ. ويرى منتقدو هذه المنظومات أن هذا المسار ليس جديدًا، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التجاوزات، لم تُواجَه بمراجعة حقيقية أو محاسبة عادلة.

وفي السياق نفسه، يربط كثيرون بين نشأة النظام الدولي الحديث والدعم الذي حظي به الكيان الصهيوني، والذي أُعلن كدولة معترف بها دوليًا رغم ما رافق قيامه من عنف وتهجير وكذب وتزييف للحقائق التاريخية، وسَوقٍ لليهود – كدين – نحو مشروع سياسي قُدّم على أنه “أرض الميعاد”، بينما كان في حقيقته، بحسب هذا الطرح، مشروعًا استعماريًا بغطاء ديني.

إن هذه القضايا مجتمعة تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول أخلاق النظام العالمي المعاصر، وحول الحاجة الماسّة إلى إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية الحقيقية، بعيدًا عن النفاق السياسي واستغلال الشعارات. فالعالم اليوم لا يحتاج مزيدًا من الخطابات الرنانة، بل إلى عدالة صادقة، ومحاسبة حقيقية، ومنظومة أخلاقية تحمي الإنسان بدل أن تحوّله إلى سلعة في أسواق النفوذ والفساد.

وأمام هذا الواقع، لا يسع المرء إلا أن يحمد الله على نعمة الإسلام، بما يحمله من منظومة قيم أخلاقية وإنسانية واضحة، رغم ما تعانيه بعض المجتمعات الإسلامية من سوء قيادة أو ممارسات خاطئة تصدر عن بعض المنتسبين إلى الدين، سواء من الساسة أو من رجال الدين أنفسهم. فخلل التطبيق لا يعني خلل المنهج، والانحراف في السلوك لا يلغي سمو القيم التي جاء بها الإسلام.

 

 

 


مشاهدات 62
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/02/10 - 5:38 PM
آخر تحديث 2026/02/11 - 1:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 76 الشهر 7874 الكلي 13939518
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير