النبوءة والمأساة أوديب ملكاً.. بناء الانسان
تأثير الحضارات وآدابها في خلق وعي الأجيال لم يأت عن حكايات عابرة، وهو ما يعرف بالقصص غير الفني، أو ما يتعلق بالخرافات وسرد الأخبار والحوادث، بل اعتمدت أساليب أدبية وأخلاقية وصنعت أساطير من شأنها احداث هذا التأثير.
ومن أهم ما ورد إلينا من تراث الأمم، أسطورة أوديب التي توصف على أنها من الآثار الأدبية الفريدة التي أثرت في جمهور المسرح والقراء معاً، وحظيت باستقبال ورواج كبيرين، ولا تزال وستبقى محطّ اهتمام الشعر والسينما والفن التشكيلي والأوبرا والروايات والنقاد على اختلاف ثقافاتهم، إذ نجد إلى اليوم كثيراً منهم يتبارى في تقديمها بأفكار متجددة ومعالجات وصور فنية مختلفة لتحويلها إلى عمل أدبي فني، على أن اصولها اغريقية.
ومن الواضح لدى المتتبع، وجود بعض الباحثين والنقاد ومؤرخي الأدب من ينكر أن أصلها اغريقي وكونها من ابداعهم، ويحاول أن ينسب القول بأصلها الفارسي، فقد ذكروا أثر فهيرودوت في شيوع هذه القصة، فهو يحكي لنا على نحو ممتع تلك المواقع الحربية التي كانت بين الاغريق وبين الفرس في القرن السادس قبل الميلاد، وهذا التاريخ ينطوي على قصص رائعة، فهناك قصة كورش، وهي حكاية عن طفل سيولد، وسيصنع تحولاً كبيراً، بعد أن يطيح بجده لأمه من عرشه، ويحاول بعضهم منع ولادته أو قتله، بيد أن المحاولة تفشل وتتحقق النبوءة على نحو مفزع.
وقصة كورش تتلخص في أن دولة الماديين التي ابتدأت منذ سنة 751 قبل الميلاد، كانت دولة عظيمة، وحكمت زمناً مديداً، كان أحد ملوكها وهو الملك أستباج، شديد الحرص على مُلكه، قوي البطش، يعبد النار، له ابنة فاتنة حسناء، أنكرت عبادته، وعندما تزوجت أنجبت طفلاً هو (كورش)، لكن هناك نبوءة تقول لجده إن حفيده سيطيح به من على العرش، ويحاول الملك أستباج أن يتخلص من حفيده، بيد أن الحفيد ينجو.
كبر الطفل وتحققت النبوءة، إذ قام كورش بثورة سيطر من خلالها على العرش بعد ازاحة جده لأمه، وقضى على عبادة النار؛ وعلى هذا وصفت أسطورة أوديب بأنها صورة اغريقية لهذه القصة.
غير أن من الصعب مقارنة قصة كورش بمسرحية أوديب التي ألفها سوفوكليس، ومع أني أشعر بأن جوهر قصة كورش ومضمونها العام قد يلامس بعض مضامين قصة أوديب، إلّا أن سوفوكليس قد حمل نصّه دلالات كثيرة، فعندما عرف الاغريق قصة كورش أضفوا عليها طابعهم حتى كاد أصلها ينسى، ولا تبرز منها إلّا ملامح الشخصية الاغريقية، ومن أجل هذا لا نستطيع أن نقول إن أسطورة أوديب تمثل الفكرة الفارسية تماماً، وانما تمثل التصور الاغريقي الذي تحدثت به أول مرة الأوديسة في نشيدها الحادي عشر، وقد تناولنا في هذه المقالة ترجمتين لها، الأولى لدريني خشبة، والثانية لأمين سلامة.
فقد جاء في ترجمة خشبة الآتي: "ولقيت الحسناء يوكاستة أم أوديبوس الملك التعس، الذي تزوجها وهو لا يدري أنها أمه بعد أن ذبح أباه، فصبت عليه السماء سياط عذابها، وذهب على وجهه في الأرض حيران، أما أمه فقد شنقت نفسها، تاركة ولدها لربات العذاب يسمنه الخسف ويجرعنه الأوصاب".
أما في ترجمة سلامة فيقول فيها: "وأبصرت أم أوديبوس إبيكاستي الفاتنة، التي قامت بعمل وحشي في جهالة من التفكير؛ إذ قد تزوجت ابنها، بعد أن قتل أباه، ولكن الآلهة كشفت هذا الفعل للناس في الحال، ولكنه مع ذلك ظل سيداً على طيبة، أما هي فقد استبد بها الحزن وشنقت نفسها، وخلَّفت وراءها محناً لا حصر لها".
ومن هذه الاشارة ولدت القصة التي خلق منها سوفوكليس نصه المسرحي، ومفادها أن هناك نبوءة تقول إن لايوس إذا أنجب ولداً فأن هذا الطفل سيقتل أباه ويتزوج أمه، وذلك نتيجة خطيئة لايوس الذي اغتصب ابن الملك بيلوبس ملك طنطاله الذي أكرم وفادته عندما لجأ إليه حين طرد من عرش طيبة، إذ أن لايوس بدلاً من الاعتراف بجميل مضيفه خطف ابنه وارتكب خطيئته، فكان انذار الآلهة التي خلقها الانسان لكي تنظم حياته ما جاء إلّا بسبب ارتكابه جريمة لا ترضيها هذه الآلهة، أما العقاب فيأتي لعصيانه أمر الآلهة فينجب ولداً وهو أوديب".
وقبل سوفوكليس كتبها اسخليوس في "السبعة ضد طيبة"، في معالجة مختلفة كثيراً.
والأوديسة ثاني أسطورة بعد الالياذة وهما ملحمتان شعريتان كتبهما هوميروس معتمداً على السرد الشفاهي في الميثولوجيا الاغريقية، وتتألف كل واحدة منهما من أربعة وعشرين نشيداً. وللأساطير اليونانية جذور ممتدة ترافق الديانة الاغريقية عبر التاريخ، وتجدر الاشارة إلى أن معظمها لم تكن ذات طابع ديني حسب، إذ كانت بأبعاد أخلاقية القصد منها أن تؤثر في بناء الانسان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتابنا الجديد: "النبوءة والمأساة أوديب ملكاً". احمد كاظم نصيف