الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فضيحة إبستين.. حين تستخدم الأخلاق سلاحاً إنتقائياً

بواسطة azzaman

فضيحة إبستين.. حين تستخدم الأخلاق سلاحاً إنتقائياً

احسان باشي العتابي

 

لم تكن فضيحة جزيرة جيفري ابستين مجرد ملف جنائي عابر في الولايات المتحدة، بل تحولت الى ايقونة عالمية تستدعى كلما اريد الطعن بالنظام الامريكي، او شيطنة الغرب، او ادانة العلمانية كنموذج حكم.

فجاة، صار الحديث عن الضحايا “واجبا اخلاقيا” عند كثيرين في عالمنا العربي والاسلامي، لا بدافع الانتصار للانسان، بل بدافع الخصومة السياسية، وخصوصا في سياق الصراع المحتدم بين امريكا وإيران.

في العراق تحديدا، بدا المشهد اكثر فجاجة. اصوات كثيرة لم تذرف دمعة واحدة على الضحايا، بقدر ما وجدت في الفضيحة فرصة ثمينة لتاكيد سردية جاهزة: انظروا الى امريكا… هذه هي العلمانية، وهذا هو الغرب. وكأن الاخلاق تقاس بالجغرافيا، والجرائم تدان فقط اذا ارتكبها الخصم.

لكن السوال الاكثر ايلاما: اين كانت هذه الحماسة الاخلاقية حين كانت الفضائح ترتكب تحت غطاء ديني ومذهبي؟

في دول عربية واسلامية، وعلى راسها العراق، جرت – ولا تزال – انتهاكات خطيرة بحق النساء والاطفال، لا باسم الانحراف الفردي كما في حالة ابستين، بل باسم “الشرع”، و“الفتوى”، و“الخصوصية المذهبية”. جرت ممارسات مجرمة اخلاقيا وانسانيا، لكن تم تبريرها، او الصمت عنها، او حتى الدفاع عنها، لان الفاعل “منا”، ولانه ينتمي الى المقدس، او يتحصن خلف العمامة، او الراية، او الخطاب العقائدي.

هنا تتعرى الازدواجية بابشع صورها.

في الغرب: جريمة تساوي دليل على فساد النظام كله.

وفي الداخل: جريمة تساوي اجتهاد، او حالة فردية، او موامرة اعلامية.

الادهى من ذلك ان بعض من يهاجمون امريكا اليوم لا يفعلون ذلك حبا بالضحايا، بل نصرة لمحور سياسي يرون فيه امتدادا لمعركتهم مع الغرب. الاخلاق تحولت الى اداة اصطفاف، لا الى مبدا. الضحية لم تعد انسانا، بل ورقة ضغط.

ارتكاب جريمة

ولو كنا صادقين مع انفسنا، لقلنا ان جريمة ترتكب باسم الدين او المذهب اخطر من جريمة ترتكب خارجهما؛ لان الاولى لا تنتهك الانسان فقط، بل تلوث المقدس، وتحول الايمان الى غطاء للاجرام، والفتوى الى صك تبرير.

ليس المطلوب تبرئة امريكا، ولا الدفاع عن العلمانية، ولا تلميع الغرب. المطلوب شيء ابسط واكثر شجاعة: معيار اخلاقي واحد.

ان ندين الجريمة اينما كانت، وممن كانت، وباي اسم رفعت.

ان نكف عن تحويل معاناة النساء والاطفال الى ذخيرة في معارك السياسة.

ن فضيحة ابستين، بكل بشاعتها، لا تثبت فشل المجتمع الامريكي، ولا تنسف اسهاماته الكبرى في خدمة البشرية عبر العلوم والابتكارات والتقدم التكنولوجي.

وان كنا فعلا حريصين على الانسان بما هو انسان، فعلينا ان نعلن موقفنا الرافض لتلك الجريمة بدافع الاخلاق والانسانية، لا بدافع الخصومة السياسية او الاصطفاف المدفوع الثمن.

فالضحايا ليسوا اداة، بل اخوة لنا في الانسانية _كما عبرت عن هذا المعنى النصوص الدينية _.

واي موقف اخلاقي لا ينطلق من هذا المبدا، ليس اخلاقا… بل انتقائية مفضوحة.

والسوال الذي لا مفر منه:

هل مشكلتنا مع الجريمة… ام مع الجهة التي ترتكبها؟

وهل نبحث عن العدالة… ام عن خصم نجلده باسمها؟

ان لم نجب بصدق، فلن تكون جزيرة ابستين اخر فضيحة،

بل مجرد مرآة اخرى نكسرها… كي لا نرى وجوهنا.

 


مشاهدات 34
الكاتب احسان باشي العتابي
أضيف 2026/02/23 - 10:23 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 12:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 18 الشهر 18515 الكلي 14950158
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير