مطار الموصل.. من حلم مؤجَّل إلى حقيقة تعانق السماء
الموصل - هدير الجبوري
بشغف لا يهدأ، ومنذ زمن ليس بالقصير، ظلّت الموصل وأبناؤها يحلمون بعودة مطارهم إلى سابق عهده ..
نافذة مفتوحة على العالم تنطلق منها الرحلات كما في سائر مدن الدنيا وقد تحقق الحلم أخيراً، غير أنّ فرحته جاءت منقوصة، إذ اقتصرت الرحلات على العاصمة بغداد دون غيرها من الوجهات التي طال انتظارها.
طريق عودة مطار الموصل لم يكن معبّداً، بل ازدحم بالمعوّقات والمصاعب، إلا أن إصرار أبناء المدينة، الذين لا يكفون عن الحلم بموصل أجمل وأكثر إشراقاً، كان أقوى من كل التحديات. ومع هذا الإصرار، تستعد نينوى في الخامس والعشرين من كانون الأول الجاري لإطلاق أولى رحلاتها إلى الديار المقدسة، على أمل أن تتوالى الرحلات تباعاً، ليعود المطار قلباً نابضاً بالحياة، وتعود نينوى زاهية مضيئة كما عهدناها دائماً.
وللوقوف عند هذا الحدث المهم، وتسليط الضوء على واقع مطار الموصل وآفاقه المقبلة، كان لجريدة الزمان هذا اللقاء مع السيد مدير مطار الموصل
الأستاذ عمارخضرالبياتي الذي استقبلنا في مكتبه بالمطار بكل ترحاب ، مرحباً بنا وبجريدة الزمان، وكان هذا الحوار..
_ مطار الموصل يُعدّ من أقدم المطارات في العراق، إذ أُنشئ مع بدايات تأسيس الدولة العراقية
وهو اقدم حتى من مطار بغداد الدولي ،،وبصفتكم المسؤول الحالي عن المطار، حدثنا عن هذا الصرح التاريخي وعن المرحلة الصعبة التي مرّ بها بعد دخول عصابات داعش الإرهابية إلى المدينة، خصوصاً ما تعرّض له المطار من دمار.
بالفعل، مطار الموصل يعد أقدم مطار في العراق حيث بدأ كمطار عسكري عام ١٩٢٠عند تأسيسه من قبل سلاح الجوالملكي البريطاني عند احتلال بريطانيا للعراق آنذاك،وتحول من مطار عسكري الى مدني عام ١٩٢٢...
وأصبح قاعدة جوية عسكرية امريكية بعد الغزو الامريكي للعراق عام ٢٠٠٣ وأعيد افتتاحه عام ٢٠٠٨ بعد تسليمه للحكومة العراقية وأستمر كمطار مدني لغاية الان...
كيف بدأت عمليات التخريب للمطار من قبل عصابات داعش؟
في الاسبوع الأول من دخولهم، فجر الإرهابيون برج المراقبة بكل أجهزته، ظناً منهم أنه أداة للتجسس، وبعد أسبوعين أو ثلاثة، سيطروا على كامل موقع المطار وأدخلوا سيارات من نوع (كيا) لسرقة المعدات والمواد الكهربائية والتجهيزات المتبقية واستمرت عمليات السلب والتفجير المنهجي لمدة عام، حتى دُمّرت الصالات والبنى التحتية بالكامل بعد ثلاث سنوات من سيطرتهم على المدينة .
□ بعد تحرير مدينة الموصل، ماذا وجدتم عند عودتكم للمطار؟
وجدنا بعض أراضي المطار مستغلة من الفلاحين، وأجزاء أخرى تحوّلت إلى مراعي. كما اكتشفنا عبوات ناسفة وقذائف غير منفجرة داخل المطار وخارجه، مما شكّل خطراً كبيراً على السلامة العامة.
□ كيف تصرّفتم تجاه هذه المواد الخطرة؟
أستعنا بشركة أمريكية تُدعى تيتراتيك، قامت بتنظيف المطار من جميع العبوات والصواريخ والمواد المتفجرة، وأصدرت الشركة تقريراً رسمياً يؤكد خلوّ المطار من أي خطر متفجر، ما مهد للمرحلة التالية من إعادة الإعمار.
□ وماذا عن جهود إعادة تأهيل المطار؟
طُرحت عروض لإعادة تأهيل المطار، كان من بينها القرض الفرنسي، وساهمت كذلك جامعة الموصل مشكورة في إعداد التصاميم الهندسية للمطار بشكل مميز..
إلا أن هناك بعض النواقص في التصاميم مثل عدم وجود مرافق للأطفال ضمن مخطط التصميم، وهي متطلبات دولية أساسية يتطلب توافرها في كل مطار ..
استمرت هذه الجهود خلال عامي 2017 و2018، لكن الجانب الفرنسي ماطل وطلب مبالغ عالية، مما أدى لتأجيل بعض مراحل المشروع..
□ ماذا كان وضعكم كمسؤولين للمطار خلال السنوات الثلاث التي شهدت سيطرة داعش على مدينة الموصل؟
خلال تلك الفترة، كنت أشغل منصب مسؤول أمن مطار الموصل، وليس مديره، وكنا جميعاً موظفين في سلطة الطيران المدني. وقد اضطررنا لمغادرة المدينة مع عائلاتنا والدوام في مطار بغداد الدولي حفاظاً على سلامتنا أثناء سيطرة داعش.
□ على ماذا رسى الموضوع الخاص بإعادة المطار بعد ذلك؟
تم دراسة الموضوع بتشكيل لجنة كنت عضوا فيها، وكان ذلك في زمن المحافظ الاسبق منصور المرعيد، ومن بعده أكمل المحافظ نجم الجبوري المشوار في عام 2019،، وقد شمل النقاش تغيير طريقة التمويل من القرض الفرنسي إلى الاستفادة من الأرصدة المجمدة لنينوى في بغداد والتي لا تُصرف إلا مقابل تقديم مشروع ضخم وكان المطار هو المشروع المستحق، وطلبت رئاسة الوزراء تشكيل لجنة وتحويل تمويل المطار من الأرصدة المجمدة إلى إدارة مطار الموصل كونها الجهة المستفيدة، وطبعا لاانسى ان اذكر الدور الكبير الذي ساهم به محافظ نينوى الحالي عبد القادر الدخيل في اطلاق الارصدة المجمدة لنينوى حيث كان يشغل وقتها منصب رئيس صندوق اعمار نينوى..
□ ما الخطوات العملية التي تم اتخاذها بعد تحويل التمويل؟
بعد تحويل التمويل، بدأت اللجنة بمراجعة البنى التحتية القائمة وإعداد دراسة متكاملة لإعادة تأهيل المطار، بما يشمل المدرج، وصالات المسافرين، وأنظمة المراقبة والأمن، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر الفنية والإدارية لضمان التشغيل السلس. كما تم التنسيق مع شركات متخصصة لتوريد المعدات الحديثة وتجهيز المطار وفق المعايير الدولية..
□ ما الأثر المتوقع الذي كنتم ترونه في جدوى إعادة تشغيل المطار في مدينة الموصل؟
لإعادة تشغيل المطار أثر كبير على الجانب الاقتصادي والسياحي، إذ سيسهل حركة المسافرين والبضائع، ويعزز من مكانة المدينة كمركز تجاري وسياحي، كما يفتح الباب أمام استثمارات جديدة ويعيد الحياة إلى المدينة بعد سنوات من التحديات والصعوبات.
□ متى تم افتتاح مطار الموصل مجدداً رسمياً وماذا يضم من مرافق؟
افتتح مطار الموصل رسمياً في 16/7/2025، بعد إعادة تأهيل شاملة، ويضم مرافق متكاملة لخدمة المسافرين والعمليات الجوية، منها: صالة رئيسية للقدوم والمغادرة، صالة استقبال وتوديع المسافرين، بوابة رئيسية ونقطة تفتيش أمنية رئيسية، دائرة كهرباء بقدرة 33 كي في أي، مبنى طوارئ، سياج أمني عالي المواصفات يشتمل على بوابتي تفتيش، مبنى اتصالات متكامل، برج رقابة متكامل، و27 برج مراقبة حول المطار،، كما يحتوي البرج الرئيس على منظومة تبريد وحمامات متكاملة لضمان راحة العاملين والمسافرين.
□ كم تبلغ مساحة المطار وطول المدرج؟
تمتد مساحة مطار الموصل إلى 5 كيلومترات مربعة، ويبلغ طول المدرج 3 كيلومترات، مع مرافق مهمة تشمل مبنى إطفاء، مبنى للشحن الجوي، ومبنى صحي متكامل يقدم خدماته للمسافرين والموظفين، بالإضافة إلى قسم بيطري للعناية بالحيوانات والبشر على حد سواء...
□ كم يبلغ عدد موظفي مطار الموصل حالياً؟
يبلغ عدد موظفي المطار حالياً 200 موظف، منهم 164 موظفاً يعملون بعقود ضمن عقود محافظة نينوى ، أما البقية فهم من الموظفين الدائمين البالغ عددهم 36 موظفاً،، وجميع هؤلاء يندرجون ضمن العاملين في إدارة المطار التابعة لوزارة النقل – دائرة إدارة المطارات العراقية.
ويجدر بالذكر أن المطار يضم أيضاً 26 دائرة مختلفة تعمل داخله، مثل الجوازات، المنافذ الحدودية، والجمارك المدنية والعسكرية، وكل موظف في هذه الدوائر يتبع هيئته أو دائرته الخاصة، مما يعكس التنسيق الكبير المطلوب لتشغيل المطار بكفاءة.
□ هل ترى أن التعامل مع موظفي العقود الجدد في المطار صعب وهل لهم دور في العمل اليومي للمطار كونهم ليس لديهم خبرة كافية وكيف استطعتم تعليمهم؟
في الحقيقة، نحن نعتمد بشكل كبير على موظفي العقود الجدد حيث قمنا بتدريبهم وتعليمهم وإشراكهم في دورات تطويرية مستمرة، ليصبحوا جزءاً فاعلاً من فريق العمل.
هؤلاء الموظفون يمثلون طاقات جديدة مضافة إلى الخبرات الموجودة لدى موظفينا الدائمين، وقد منحناهم أدواراً مهمة فاجأتهم وأسعدتهم، فقد ظنوا في البداية أن فرصهم ستكون محدودة كونهم عقود، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك، واستحقوا هذه الفرصة بالفعل .
_ دعنا نعود إلى موضوع المعوقات والتحديات التي يواجهها مطار الموصل، خصوصاً في ظل الرحلات المحدودة التي يعاني منها حالياً، ودور شركات السياحة وموقف الخطوط الجوية في تفعيل هذه الرحلات.
لا يوجد عمل يخلو من التحديات، ولا شيء في الحياة مثالي بالكامل. نحن نعمل بكل جهدنا وإصرارنا، لكننا بحاجة إلى دعم أهالي نينوى لمطارهم عبر السفر من خلاله.
الرحلات حالياً مقتصرة على العاصمة بغداد، وقد عملنا على تسهيل إجراءات السفر؛ فالمسافر يخضع لتفتيش واحد فقط قبل الإقلاع، وهو أسهل بكثير مقارنةً بالمطارات الأخرى التي تفرض ثلاث عمليات تفتيش قبل الصعود للطائرة.
ونأمل أن يزداد عدد المسافرين، وأن تمنحنا سلطة الطيران الموافقة لتسيير رحلات إلى النجف والبصرة، بما يخدم السياحة الدينية والترفيهية
كما نسعى للحصول على الترخيص المطلوب للمطار من سلطة الطيران ليصبح مطار الموصل معتمداً رسمياً ويستمر في تقديم خدماته بسلاسة لأهالي المدينة.
ومن جانبها قامت شركة الخطوط الجوية العراقية بخفض أسعار تذاكر السفر لدعم المواطن الموصلي وتشجيعه على استخدام مطار الموصل، مع العلم أن جميع المطارات العراقية ، باستثناء مطار أربيل في المرحلة الحالية لا تمتلك الترخيص الدولي .
هذا الترخيص ضروري لنتمكن من إكمال أي نواقص محتملة في المطار، وعند استكمالها نتأمل ان يتم تسيير رحلات داخلية ودولية تحقق حلم أهالي نينوى بالسفر إلى الخارج وليس المدن المحلية فقط.
وفيما يخص دور شركات السياحة، نعم من الممكن أن تدرج في برامجها اسم مطار الموصل، ليكون نقطة انطلاق للمسافرين الموصليين. كما نأمل أن تساهم الخطوط الجوية العراقية في الإعلان عن هذه الرحلات داخلياً
وإعلامياً عبر صفحاتها الرسمية ومواقع التواصل الاجتماعي، لما في ذلك من دور كبير في التوعية والتسويق للرحلات.
أما بالنسبة لتسعيرة التذاكر، فهي من مسؤولية الخطوط الجوية العراقية، وليست ضمن مهام إدارة المطار، وقد تم تخفيضها حالياً بهدف زيادة إقبال المواطنين على السفر.
وعن أمنياته لمطار الموصل، قال مديره: أتمنى أن نحصل على الترخيص الدولي، وأن يحظى المطار باهتمام أكبر من الحكومة المركزية والمحلية.
هذا المطار صرح كبير وأهالي الموصل يستحقون الكثير بعد ما مرت به المدينة من خراب خلال الفترة الظلامية لعصابات داعش.
كما نحتاج إلى دعم اكبر لموظفي المطار مادياً ومعنوياً، لتأمين عمليات الصيانة اليومية والتنظيف واستمرارية تقديم الخدمات بأفضل صورة.
□ في ختام هذا الحوارماذا تودون قوله ؟
اريد ان أتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى جريدة الزمان على هذا التسليط الصحفي والإعلامي المهم، الذي يعكس حرصها الدائم على إبراز القضايا الحيوية، ويسهم في دعم مطار الموصل وإيصال صوته إلى الرأي العام، خدمةً لأبناء نينوى والعراق عموماً...