إصلاح السياسة النقدية من الإستهلاك إلى الإنتاج
حسين الفلوجي
لم تعد معضلة السياسة النقدية في العراق مجرد تذبذبٍ في سعر الصرف أو فجوةٍ بين السعر الرسمي والموازي، بل هي انحرافٌ في الاتجاه: اقتصادٌ يُدار بمنطق الاستهلاك والاستيراد، فيما تُترك قطاعات الإنتاج -الزراعة والصناعة والسياحة وتقنية المعلومات—بلا تمويلٍ كافٍ ولا حوافز ولا حمايةٍ ذكية ولا بيئةٍ مستقرة. ومع تراكم الديون الداخلية والخارجية وضعف خلق فرص العمل، صار واضحًا أن الإصلاح لا ينجح بالترقيع، بل بتغيير النموذج نفسه.
غير أن هذا التحول المؤجل لم يكن سببه نقص التشخيص بقدر ما هو ضعف المراجعة والمساءلة. فمبدأ استقلالية البنك المركزي ، هي ضرورة لحماية السياسة النقدية من التسييس، لكنها، تحولت عمليًا في نظر الكثيرين إلى “منطقة صامتة” يصعب الاقتراب منها بالنقد والتدقيق، فالاستقلالية الرصينة لا تعني حصانة مطلقة، بل تعني شفافية أعلى ومؤشرات أداء معلنة ومراجعة صريحة، تمهيدًا لسياسة نقدية تُعيد ترتيب الأولويات من الاستهلاك إلى الإنتاج.
من سعر الصرف إلى عقدة الدولار
طوال السنوات العرين الماضية، تعاملت السياسة النقدية مع سعر الصرف بوصفه المرساة الأساسية للاستقرار. وهو بحد ذاته، خيار مفهوم في اقتصاد ريعي شديد الاعتماد على الاستيراد، لكن المشكلة أن تلك المرساة تحولت إلى غاية مطلقة. فأصبح النجاح يُقاس بمدى السيطرة على سعر الصرف أكثر مما يُقاس بقدرة السياسة على بناء ثقة بالدينار، وتحريك الائتمان نحو الاستثمار والانتاج، وإدارة السيولة بما يخدم النمو الحقيقي.
ومع اتساع اعتماد السوق على الدولار، أخذت مكانة الدينار العراقي تتآكل تدريجيًا: سلوك ادخاري متجه للدولار، تسعير احترازي، وطلب متكرر على العملة الأجنبية حتى عندما تكون متاحة. ومع كل اختناق أو تغيير في القواعد أو اضطراب في قنوات التمويل، تظهر المشكلة ذاتها: سوق موازٍ أكثر تأثيرًا من السياسة الرسمية، وتوقعات تضخمية تقود السوق بدل أن تقودها السياسة.
سياسة نقدية تمول الاستيراد وتُهمّش الإنتاج
من أكثر نتائج هذا النموذج خطورة، أنه لم يتعامل مع الاستيراد بوصفه ضرورة مرحلية تُدار بعقلانية، بل بوصفه مسارًا مفتوحًا بلا حدود واضحة. ومع الزمن، تمددت “فلسفة الاستيراد” لتصل إلى أدق السلع الاستهلاكية الرخيصة، حتى أصبح السوق مكشوفًا أمام الإغراق، وأصبح المنتج المحلي يدفع ثمن منافسة غير متكافئة: كلفة طاقة أعلى، تمويل أصعب، حماية أقل، وإجراءات أبطأ.
في مثل هذا السياق، لا يعود غريبًا أن تتراجع الزراعة والصناعة التحويلية، وأن تبقى السياحة وتقنية المعلومات دون وزن يليق بقدرات البلد. فالسياسة النقدية التي تُبقي القناة الأوسع نشاطًا هي تمويل الاستيراد، وتترك تمويل الإنتاج ضعيفًا ومتقطعًا، إنما تعيد إنتاج اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج.
تعدد أسعار الصرف… بوابة واسعة للفساد.
تعدد أسعار الصرف ليس رقمًا على شاشة، بل حافز اقتصادي. حين يوجد سعر رسمي جامد وسعر موازٍ أكثر مرونة، تنشأ فجوة تتحول إلى ريع تحكيمي، وتظهر طبقات وسيطة تعيش على فرق السعر، لا على الإنتاج. هذه الفجوة تخلق شبكات مصالح تُقاوم الإصلاح لأنها تستفيد من استمرار التشوه.
ولأن هذه الشبكات تتغذى من الفجوة، فإن معالجة تذبذب سعر الصرف لا تكون عبر الوعظ أو الإجراءات الأمنية، بل عبر إصلاح البنية التي تُنتج السعرين: توحيد القناة، تقليل الفجوة، ورفع الشفافية، بحيث يصبح الدولار متاحًا للطلب المشروع عبر مسار رسمي سريع، وتُغلق أبواب التحكيم أمام الوسطاء.
مأزق الاقتصاد: ديون بلا إنتاج
حين يُدار الاقتصاد بمنطق الاستهلاك، تصبح الدولة مضطرة لتعويض ضعف الإنتاج عبرالإنفاق، ويصبح الإنفاق مضطرًا للتمدد كي يهدئ السوق ويغطي البطالة ويمنع الانكماش الاجتماعي. ومع مرور الوقت، تظهر تخمة الالتزامات والديون: لا لأنها تُموّل نموًا منتجًا، بل لأنها تُموّل فجوة بنيوية بين ما يستهلكه الاقتصاد وما ينتجه.
وهنا تكمن المفارقة: السياسة النقدية التي تدّعي حماية الاستقرار، تجد نفسها تدير استقرارًا هشًا، لأن الاقتصاد لم يبنِ مصادر زقوة حقيقية. أي اهتزاز في التدفقات أو في قنوات التمويل أو في توقعات السوق يعيد الأزمة إلى الواجهة.
ما المطلوب: سياسة نقدية داعمة للتشغيل والإنتاج
الإصلاح لا يعني “تغيير رقم” في سعر الصرف أو تعديل أدوات ثانوية، بل يعني تغيير وجهة السياسة النقدية: من حماية الاستهلاك إلى تمكين الإنتاج. ويمكن تلخيص ملامح هذه السياسة الجديدة في محاور واضحة:
1.استقلالية مع مساءلة
الاستقلالية لا تعني تحصين السياسة من النقد. المطلوب إطار علني لقياس الأداء: فجوة الصرف، التضخم المستورد، الدولرة، نمو الائتمان المنتج، واستقرار المصارف. كل ذلك بتقارير دورية شفافة تتيح للمجتمع والدولة فهم ما يجري بدل التعامل معه كأسرار.
2. سعر صرف واحد فعّال
إنهاء التشوه يبدأ من تجفيف وغلق الفجوة بين السعرين. المطلوب سعر واحد يعكس السوق ضمن نطاق واضح، مع قناة رسمية سريعة لتمويل التجارة، بحيث تختفي أرباح التحكيم وتخرج المضاربة من مركز القرار.
3. استعادة مكانة الدينار
بناء الثقة بالدينار عبر أدوات ادخار جذابة، وتعميق السوق النقدي، وربط سعر الفائدة والسيولة بمؤشرات واضحة بدل ترك السوق أسير الدولار.
4.ائتمان منتج موجه للقطاعات المشغّلة تمويل الزراعة والصناعة والسياحة وتقنية المعلومات ليس شعارًا؛ بل سياسة: تسهيلات موجهة، ضمانات مخاطر، وتمويل طويل الأجل يربط الدعم بمؤشرات تشغيل وإنتاج وإحلال محل الاستيراد.
5.تنسيق نقدي–مالي يوقف تغذية الاستهلاك
الإنفاق العام يجب أن يتحول تدريجيًا من تضخم تشغيلي إلى استثمار يرفع العرض المحلي: طاقة، لوجستيات، زراعة، صناعة، وبنية رقمية. من دون هذا التنسيق ستبقى السياسة النقدية في موقع الاحتواء.
6.حماية ذكية ضد الإغراق وتشجيع الإحلال
سياسات تجارية تميّز بين الكماليات ومدخلات الإنتاج، وتمنح المنتج المحلي فرصة منافسة عادلة دون خلق نقص أو تضخم انفلاتي.
الخلاصة: لا يمكن للاقتصاد العراقي أن يبقى يدور في حلقة الاستيراد الاستهلاكي والدولار والفجوة، ثم ننتظر نتائج إنتاجية وتشغيلية مختلفة. المطلوب قطيعة مدروسة مع النموذج السابق: اعتراف بوجود أخطاء جوهرية، مراجعة شاملة، ثم بناء سياسة نقدية جديدة هدفها المركزي هو تشغيل القطاعات القادرة على خلق فرص عمل واسعة، ورفع الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.