الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بيت زيا وبيت نادرة

بواسطة azzaman

بيت زيا وبيت نادرة

كامل عبدالرحيم

 

 خرجتُ اليوم شاريًا شعاعًا خجولًا لشمسٍ تذكّرنا بالخلود والأفول، خلودها ومرورنا آفلين عابرين، قاصدًا شراء لفة فلافل من مطعم العريش وتناولها مع كأس شاي وبطل ماء في المقهى القديم قرب جامع حي دراغ، ولا بأس بترك الحذاء (أجلكم الله) عند ملمّع الأحذية واستعارة نعلٍ منه ريثما يُكمل عمله. سعر اللفة دينار واحد، واستكان الشاي الدبل مع بطل الماء ألفٌ آخر، بينما يأخذ ملمّع الأحذية دينارين، فيما حمّام الشمس العظيم مجانًا.

يحتاج هذا مني ساعة مشي تقريبًا، وبين الذهاب والعودة وتناول الغداء وبعده الشاي، يستغرق كل ذلك ساعتين تختزن عيناي خلالهما ما يكفي لأفلام وقصص وحكايات. لكني، ومنذ الخطوات الأولى لجولتي، كنت أفكّر في بيتين متقابلين مررت بهما على مبعدة مئة متر تقريبًا من انطلاقي: بيت نادرة وبيت زيا. بيتان لعائلتين مسيحيتين تركتا البلاد وهاجرتا صوب الشتات وأصقاع العالم، بيتان مهجوران مع اختلاف بدرجة الإهمال والفراغ.

نادرة، معلمة مسيحية بعمر شقيقتي سميرة، وكذلك زميلتها في التعليم في مدرسة من مدارس المنصور، فاقتربت من عائلتنا كواحدة من العائلة. ومن خلالها تعرّفنا إلى عائلتها، فهي الشقيقة الكبرى لثلاثة إخوة وأبيها الذي تعود جذوره لمدينة (برطلة) شمال الوطن، والتي عادت إليها لاحقًا مع ما تبقى من عائلتها. أبوها يعمل سائق سيارة أجرة بعد عمل طويل كسائق عند العائلة الملكية قبل الجمهورية. طباعه ولهجته وسلوكه وكأنه قادم من مدينة الثورة؛ اللهجة والكرم وروح النكتة، جرمه الضخم وكرشه الكبير وقلبه الطيب وحبه لعائلته، الذي انتهى بتسليم القيادة لأولاده. هذا التسليم تماهت معه نادرة بروح راهبة مسيحية، فظلت تخدمهم رغم حظها المعقول من جمال عراقي غامض الأصول. ومع أنها أكبرهم وأكثرهم تعلمًا وثقافة، كانت تخدم الجميع بامتثال تام، حتى مقتل الأخ الأصغر وهجرة العائلة محمّلة بصُرّة أحزان ثقيلة ومبهمة وكبيرة، كعلامة استفهام وطنية أكبر من دفء الوطن الكاذب.طوال طريقي إلى مطعم العريش كنت أردد مخاطبًا غولًا أو (ذئبًا يترصدني)، وأصرخ داخلي:Mr death between me and you man to man

كنت قد قضيت كامل ليلة الأمس مع فيلم طويل لدينزل واشنطن تمثيلًا وإخراجًا بعنوان (أسوار) Fences. وعندما توقفت قليلًا أمام بيت نادرة المهجور بطرازه الستيني المحافظ على روحه المثقوبة، ذكّرني البيت ببيت تروي ماكسون الذي جسّد دوره دينزل واشنطن.عمل إخوة نادرة الثلاثة في بيع المشروبات الكحولية، وكان ذلك قبيل السقوط بشكل غير احترافي. وبعد السقوط امتلكوا مخزنًا أصبح معروفًا للشاربين والشارين، ويقع في شارع 14 رمضان بالقرب من كباب شميران. كان الأخ الأكبر ضخمًا كأبيه، خاملاً وربما غبيًا، فانتقلت التجارة بأكملها إلى الأخ الأصغر (ماهر)، وكان محبوب عائلته وأكثرهم ذكاء. توسّع عمله فافتتح مخزنًا آخر باتجاه غرب بغداد، حيث شرارات التشدد الديني التي بدأت بالاشتعال والتطاير والانتشار. أما الأخ الأوسط فسنترك قصته مؤقتًا.

 فيلم (أسوار) أُخرج ببعد مسرحي، فكادره مكتفٍ بفضاء محدد ومحدود هو بيت تروي نفسه. تروي يعمل في جمع القمامة مع صديق له، ويتقدم بعمله فيصبح سائقًا لشاحنة جمع القمامة.

بعد توسّع عمل إخوة نادرة، كان عمل التنظيمات الإسلامية الإرهابية، ومن الطائفتين للحق، قد توسّع أكثر، وانتهى الأمر بقتل الأخ الصغير، مفخرة العائلة ومحبوبهم. فانكسر عمود البيت وخيّم حزن ثقيل عليهم، دفعهم لترك كل شيء: تجارتهم ومخازنهم وحتى بيتهم. ودّعتنا نادرة وانقطعت أخبارها، لكن أخاها الأوسط رفض الهجرة فظل وحيدًا في البيت، ولم يرث من تجارة إخوته غير إدمانه على الشرابلا أعرف ولا أذكر أسماء إخوة نادرة، وهي أسماء عادية باستثناء أخيها المغدور الصغير. الأوسط أظن اسمه خالد، وليكن كذلك على سبيل الافتراض. خالد يختلف عن بقية عائلته؛ فهو رشيق القوام، حلو القسمات، يتمايل بمشيته مثل ممثل هوليوودي شهير (ليس دينزل واشنطن بالطبع). حاول خالد الاستمرار بتجارة إخوته بالبيع من البيت، ولما اكفهرّ وجه بغداد وتحولت أحياؤنا لمسرح للحرب الطائفية، ترك هذه التجارة واستمر على إدمانه. فتمايلت مشيته ونحف أكثر وبهت بريقه، وظل كرمح حزن واغتراب مكسور، لكنه رفض الإخلاء.وكنت أعتقده فقد لبه ورشده، لكني حينما أبادره بالسلام يرد علي فورًا: أهلاً أستاذ كامل. أسأله عن أخبار نادرة أختنا فيجيبني: في برطلة، وفي كل مرة أتوهم أنها في كندا. رفض خالد كل عروض بيع البيت أو استئجاره، لكنه اختفى فجأة، ولا أعرف من أسأل عنه غير باب البيت القديم بمرأبه الطويل، وكان يحتضن سيارة أبيه نوع كراون 79 أم العداد. العداد الذي أخطأ العد، فتهاطلت علينا أرقام الشقاء والهجر والموت والفناء.

نهاية المرأب، أو على ميمنته، حديقة لم تتحول إلى أحراش بعد. وقبل الدخول للبيت من بابه الخشبي، فناء (طارمة) لطالما كان يجلس فيها لارتشاف الشاي والد نادرة. أمها وأبوها ببطنين ضخمين وبسمتين تتراوح بين الغفلة والسذاجة وذكاء سائق نقابي عاصر كل الأنظمة لكنه فقد دربته أخيرًا فخسر ولده، بل كل عائلته. بينهما، بين الأب والأم، وحتى بين إخوتها، كانت نادرة بملابس الخدم تقوم بأعمال كل البيت، كمسيحية عانقت روح المسيح وارتضت الصلب على مذبح عائلتها، لتتفانى وتذوب حتى النهاية، خاسرة أنوثة تتلاشى وإنسانية تطمسها عن طيب خاطر.

 فيلم Fences يعتمد بناؤه الدرامي على فكرة الأسوار: أنواع متعددة ومختلفة الارتفاع والعلو والمتانة. سور بين الناس، ألوانهم وطبقاتهم، وسور بين

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 114 الشهر 18754 الكلي 13526177
الوقت الآن
الأحد 2026/1/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير