الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحمد لله… برأسٍ واحد لا برأسين

بواسطة azzaman

الحمد لله… برأسٍ واحد لا برأسين

أحمد جاسم الزبيدي

 

تركتكم لفترة، أحبّتي، لا هروبًا من الكتابة ولا اعتزالًا للوجع، بل زيارةً للأهل في العراق، واستنشاقًا لهواء المدينة الذي لا يُشبهه هواء، وانتظارًا للكهرباء كي أعيش – ولو لساعات – تجربة المواطنة الكاملة، تلك التي لا تكتمل إلا على ضوء شمعة أو مولدة.

عدتُ لأجد المشهد كما هو: ناس يشتغلون بوظيفتين وربما ثلاث، تعبٌ يلاحق تعبًا، إرهاق يتكئ على إرهاق، ومع ذلك… الطيبة ما زالت سيدة الموقف. المحبة ما زالت تمشي على قدميها في الأزقة، والودّ يسبق العتاب، وهذا ما وجدته عند أصدقائي الذين أحاطوني بحب صادق وعتب لطول الغياب، عتب يشبه العراق: قاسٍ في ظاهره، دافئ في عمقه.

لكن حديثي اليوم ليس عن الكهرباء، ولا عن الطيبة، ولا حتى عن الغياب، بل عن غياب أكبر… غياب رئاسة الوزراء، ذلك الغياب الحاضر بقوة، حتى بات حضوره أشبه بعدم وجوده.

وهنا تحضرني طريفة روسية قديمة، انتشرت في أواسط سبعينيات القرن الماضي، أيام كان الاتحاد السوفيتي يستقبل أفواج الطلبة الأفارقة، ومعهم قصص حب عابرة للقارات وعلاقات “أممية” مع الفتيات السوفيتيات.

تقول الطريفة إن لودميلا، بعد قصة حب ولقاءات متكررة، تزوجت من حبيبها أندري، وأُقيم حفل الزواج في مطعم قريب من القسم الداخلي. استمرت الحياة الزوجية بسعادة، إلى أن بدأت لودميلا “تتوحم”، لكن توحمها لم يكن عاديًا؛ كانت تستيقظ ليلًا مفزوعة، كأنها خارجة من كابوس.

يسألها الزوج المسكين:

ما بكِ يا لودا؟ ما هذا الحلم؟

تجيبه:

أحلم أنني في المستشفى، وقد ولدتُ طفلًا ذكرًا.

يبتسم أندري مطمئنًا:

هذا أمر طبيعي يا عزيزتي، والحمد لله أنه ذكر، سيحمل لقبي.

تتردد قليلًا ثم تقول:

نعم… لكنه أسود… وبرأسين!

تمر الأيام، ويتكرر الحلم، ويتكرر الفزع، وأندري يواصل التهدئة، يقنعها أن كل شيء طبيعي، إلى أن يحين موعد الولادة. تُنقل لودميلا إلى المستشفى، وفي اليوم التالي يقف أندري خلف سور المستشفى، غير مسموح له بالدخول، يحمل باقة ورد وينادي:

لودا… كيف الولادة؟ هل أنتِ بخير؟

تجيبه:

نعم، حبيبي… ولدت.

ولد؟

نعم.

أسود؟

نعم.

برأسين؟

لا… برأس واحد.

يتنفس أندري الصعداء ويقول:

الحمد لله… برأس واحد!

وهكذا، وبمنطق الطرائف الشعبية، نبدو نحن أيضًا وكأننا نُروّض أنفسنا على القادم. ننتظر الولادة السياسية، ننتظر “المولود الحكومي”، ومع كل تأجيل نخفض سقف الأحلام، ومع كل خيبة نقول: لا بأس… المهم رأس واحد.

سننتظر، وسيأتينا “أسود”، وربما مثقلًا بالتجارب، وربما محمّلًا بالتناقضات، لكنه – إن جاء برأس واحد لا برأسين – سنرفع أيدينا إلى السماء ونقول:

الحمد لله… برأس واحد.


مشاهدات 40
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/01/21 - 1:19 AM
آخر تحديث 2026/01/21 - 2:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 99 الشهر 15631 الكلي 13523054
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير