محور النقد في جلسة ملتقى جيكور الثقافي
من يتحمل فشل النص؟ أسئلة محرجة في أزمة النقد العراقي
حمدي العطار
لم يعد الجدل الدائر في المشهد الثقافي العراقي محصورا في حق الناقد بإبداء رأيه في النصوص الإبداعية، فهذه مسألة محسومة نظريا. السؤال الأكثر إلحاحا اليوم هو: لماذا يدفع الناقد إلى واجهة الاتهام كلما أشار إلى ضعف نص ما، بينما تستبعد بقية الأطراف من دائرة المساءلة؟ من المسؤول عن فشل النص: الكاتب، أم الناقد، أم الناشر؟ أم أن الأزمة أعمق من اختزالها في طرف واحد؟
لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل يحق للناقد أن يصدر حكما على نص إبداعي؟
بل السؤال الأكثر إزعاجا: لماذا يطالب الناقد دائما بتجميل الرداءة، فيما يترك الكاتب والناشر خارج أي مساءلة فعلية؟
هل من واجب الناقد أن يصرح، دون مواربة، بأن عملا منشورا هو نص فاشل فنيا وجماليا؟ أم أن مثل هذا الحكم يعد تجاوزا لدوره، ويصنف بوصفه قسوة غير مبررة؟ وإذا كان الحكم الجمالي محرما على الناقد، فما الجدوى من النقد أصلا؟ وهل نحتاج إلى ناقد إن كان دوره يقتصر على إعادة صياغة الإعجاب بلغة أقل مباشرة؟
من وجهة نظري، لا تكمن وظيفة الناقد في توزيع المجاملات، ولا في لعب دور الوسيط اللطيف بين النص والمتلقي، بل في تفكيك الخطاب الإبداعي، وكشف أوهامه، وتعرية ثغراته الجمالية والفكرية. النقد الذي يتهرب من تسمية الفشل باسمه، يتحول إلى كتابة إنشائية لا تختلف كثيرا عن الدعاية الثقافية، ويفقد جوهره بوصفه فعلا معرفيا ورقابيا.
الأخطر من ذلك، أن تنشر نصوص ضعيفة تحت غطاء “الإبداع”، دون أي فلترة جادة، ثم يلقى العبء كاملا على الناقد عند أول ملاحظة سلبية. هنا لا يمكن إعفاء دور النشر من المسؤولية؛ فجزء كبير من أزمة المشهد الأدبي العراقي يعود إلى تواطؤ بعض مؤسسات النشر مع الرداءة، وتحويل الكتاب إلى سلعة قابلة للتداول، لا إلى قيمة ثقافية تستحق الدفاع عنها. إن ناشرا لا يقرأ، أو يقرأ بعين السوق لا بعين الثقافة، شريك مباشر في إنتاج الفشل.
ويبرز هنا سؤال لا يقل حدة:
لماذا يبدو النقد في بلدان المغرب العربي أكثر صرامة واشتباكا مع النص، مقارنة بما هو سائد في المشرق العربي؟
هل لأن عددا كبيرا من النقاد هناك يمتلك أدوات لغوية ومعرفية تتيح لهم الاطلاع المباشر على المناهج النقدية الحديثة، بعيدا عن النقل المشوه أو القراءة السطحية؟ أم لأن النقد في المشرق ما زال أسير العلاقات الشخصية، وضيق الوقت، وهاجس المجاملة، والخوف من خسارة المنابر الثقافية؟
ليست هذه الأسئلة دعوة إلى مفاضلة جغرافية، بقدر ما هي محاولة لتشخيص خلل بنيوي في ممارسة النقد العربي عموما، حيث يفرغ الحكم الجمالي من محتواه، ويستبدل بوصف عام مطمئن لا يزعج أحدا ولا يطور شيئا.
إن أزمة النقد العراقي لا تكمن في قسوة الناقد، بل في غياب الشجاعة النقدية، وتداخل الأدوار بين الكاتب والناشر والناقد. فالنص الفاشل لا يولد من فراغ، بل هو نتاج منظومة كاملة تتغاضى عن المعايير، وتخشى المواجهة، وتكافئ الرداءة بالصمت. ومن دون إعادة الاعتبار للحكم النقدي الصريح، سيظل السؤال معلقا: من يحمي الذائقة؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الخراب الجمالي؟