الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما جرى في سوريا ليس انتصاراً بل إعادة إنتاج للهزيمة بأدوات مختلفة

بواسطة azzaman

ما جرى في سوريا ليس انتصاراً بل إعادة إنتاج للهزيمة بأدوات مختلفة

سوزان ئاميدي

لا يمكن توصيف ما حدث على أنه نجاح للجولاني، لأن النجاح لا يُبنى على قتل الكورد، ولا يُصاغ بأيدي فصائل تحمل ذات العقلية الداعشية، حتى وإن بدّلت أسماءها أو أعلامها. الجريمة تبقى جريمة، مهما تغيّر الخطاب، ومهما أُلبست ثوب "التحرير" أو "المرحلة الانتقالية" .
ولم يكن ما جرى نجاحاً للولايات المتحدة ايضا ، إذ أعادت إنتاج نمطها المألوف في التعامل مع الكورد : استخدامهم كقوة ميدانية عند الحاجة ، ثم التخلي عنهم عند أول تقاطع مصالح إقليمية ودولية ، وتركهم في مواجهة مصير مفتوح على كل الاحتمالات.
لقد دُفع ثمن هذا "النجاح المزعوم" من الأرض السورية ، ومن الوجود الكوردي تحديدا، عبر تنازلات سياسية وجغرافية لا علاقة لها بإرادة الشعوب .
الكورد لم يختاروا الحرب، ولم يسعوا إلى الهيمنة أو التوسع ، بل وجدوا أنفسهم مراراً في موقع الدفاع عن النفس وعن الوجود . ومع ذلك، واجهوا قوى لا تؤمن بالإنسان ولا بالقانون، قوى تتحدث عن القيم في المؤتمرات ، وتدوسها في الميدان بلا تردد .فعند لحظة المواجهة، تُعلَّق القوانين، وتُنسى المواثيق، وتُستدعى مبررات جاهزة لتسويغ القتل والإقصاء .
وفي كل مرة، تتكرّر النتيجة ذاتها : الكورد وحدهم في الساحة.
لا حلفاء ثابتين، ولا منظمات دولية تفي بادعاءاتها في الدفاع عن القيم الإنسانية. الجميع يساوم على الحقوق الكوردية مقابل مصالح آنية، وصفقات إقليمية، وحسابات أنظمة لا ترى في الكورد سوى ورقة قابلة للاستخدام ثم الإهمال .
الكورد يدركون هذه الحقيقة جيدا . لكن ضيق الخيارات، واختلال موازين القوة، يدفعهم ((وعلى مضض )) إلى العودة لطاولات التفاهم مع القوى ذاتها التي خذلتهم، لا ثقةً بها، بل بحثاً عن الحد الأدنى : سلامة شعبهم ومنع الإبادة السياسية والجسدية.
أمام هذا الواقع، وأمام تكرار خذلان الحلفاء وغياب أي إطار دولي يحمي الحقوق الكوردية، تبرز الحاجة إلى مقاربة سياسية مختلفة تتجاوز ردود الفعل الظرفية. وفي هذا السياق، لا يُطرح مفهوم الكونفدرالية بوصفه كياناً سياديا أو مشروع انفصال، بل بوصفه إطاراً سياسياً قومياً تنسيقيا عابراً للحدود (Transnational Functional Confederation)، يهدف إلى توحيد الخطاب والموقف السياسي الكوردي دولياً ، مع احترام الواقع القانوني القائم وسيادة الدول التي يتوزع فيها الكورد.
وحتى وإن كانت الأجزاء الثلاثة الأخرى لا تتمتع بوضع الإقليم، فإن كوردستان بأجزائها الأربعة تشكّل جغرافيا متصلة لا يفصلها سوى رسم حدود سياسية فرضتها اتفاقيات دولية، لا واقع اجتماعي أو تاريخي، وهو ما يجعل من التنسيق القومي المشترك ضرورة سياسية، لا ترفاً ايديولوجياً .
وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن أربيل شهدت في مراحل مختلفة لقاءات واجتماعات جمعت ممثلين عن الأطراف الكوردية في الأجزاء الأربعة، غير أن هذه اللقاءات بقيت في إطار التشاور غير المؤسسي، من دون أن تتطور إلى مجلس قومي ذي نظام داخلي واضح، أو آليات عمل ثابتة، أو سياسة موحّدة، أو التزام دوري ملزم. وهو ما جعلها أقرب إلى محطات حوارية ظرفية، منها إلى إطار مؤسسي قادر على إنتاج موقف كوردي جامع ومستدام.

اقتراح سياسي … إن استمرار التعامل مع القضية الكوردية بوصفها ملفات منفصلة داخل دول مختلفة، هو أحد الأسباب الرئيسية لإضعافها وتهميشها دولياً . وعليه، فإن المرحلة الراهنة تفرض على القوى والأحزاب الكوردية في أجزائها الأربعة الانتقال من منطق التشتت إلى توحيد الخطاب والموقف السياسي.
إن المطلوب اليوم ليس إعلان دولة، ولا خوض مغامرات غير محسوبة، بل تأسيس إطار قومي تنسيقي عابر للحدود يقوم على:
1-
توحيد الخطاب السياسي الكوردي الموجّه إلى المجتمع الدولي .
2-
إنشاء مجلس قومي كوردي أعلى للتنسيق في القضايا المصيرية .
3-
اعتماد أربيل مركزاً سياسياً جامعاً لهذا الإطار .
4-
وفصل المشروع القومي عن الصراعات الحزبية والانتخابية الضيقة.
إن هذا المسار لا يتعارض مع واقع الدول القائمة، لكنه يمنح الكورد صوتاً واحداً، ويُنهي حالة الاستفراد بكل جزء على حدة .
فإما أن يُعاد تعريف الكورد كفاعل سياسي موحّد في المعادلات الإقليمية والدولية، أو يُترك مصيرهم مجدداً رهينة صفقات لا يكونون طرفاً فيها .

 


مشاهدات 61
الكاتب سوزان ئاميدي
أضيف 2026/01/24 - 5:43 PM
آخر تحديث 2026/01/25 - 1:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 67 الشهر 18707 الكلي 13526130
الوقت الآن
الأحد 2026/1/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير