لم أجد من أشكال النقد الموجودة في العراق ما هو أكثر شيوعاً من النقد السياسي، ولا أعرف جمهوراً عريضاً مثل جمهوره، ولا متابعين مزمنين مثل أتباعه، فهو (سلعة) رائجة هذه الأيام، يتداولها الناس في كل مكان، ويغرمون بها، ولا يتحرجون من ذكرها، وليس ثمة دليل على أن مثل هذا الأمر ظاهرة مؤقتة ستنتهي في يوم من الأيام.
والذين يعجبهم النقد، ويرون فيه عنصراً أساسياً من عناصر التقدم، ويفتنون بكل من برع فيه، أو تمكن منه، سيرون فيه نموذجاً على التطور السياسي الذي تحقق في هذه البلاد، بعد عام 2003، أما ما قبل ذلك فلم يكن الناس قد سمعوا به، أو عرفوا عنه. وهذا جزء من عملية التغيير الكبرى التي أصابته.
إن أشهر أنواع النقد الشائعة لدينا كما يعرف الجميع النقد الأدبي، الذي يستهوي المشتغلين بفنون الأدب المختلفة مثل الشعر والرواية والقصة، وحينما يذكر النقد لا تنصرف الأذهان إلى سواه.
لكنه يبقى مع ذلك من اهتمامات النخبة فحسب، لأنه يقوم على نظريات لا يفهمها السواد الأعظم من الناس، تحوم حول (بنيات) و(أنساق) و(مجازات) و(سرديات) و(تفكيك) و(تحليل خطاب)، ولا يخرج منه غير ذي الصنعة بطائل.
وقد شاع في السنوات الأخيرة نمط آخر من أنماط النقد يطلق عليه اسم النقد الثقافي، يتسع (فضاؤه) لـ (جمل ثقافية) و(دالات متحركة) و(حيل نسقية) وغير ذلك من الأمور، التي لا يلم بها إلا ذو حظ عظيم!.
وعلى العكس من ذلك، يبدو النقد السياسي متاحاً لكل رجل وامرأة في هذه البلاد، ليس بما يرضي الله والعباد، بل بالشكل الذي يغيظ الحاكمين، ويقض مضاجع المسؤولين.
فالذم والقدح، والسب والشتم، ورمي التهم وإظهار (العيوب) هي (فعاليات) في متناول الجميع، لا يجهلها إلا القليل، ممن آثر السلامة. وهي مادة هذا النقد، وعنوانه.
ومن الواضح أن مثل هذا السلوك هو في حقيقته (معارضة) وليس نقداً.
وقد اعتاد العراقيون على إطلاقه في كل الحقب والعهود التي مرت بهم، من النظام الملكي إلى يومنا هذا، على حكومات وأحزاب، وشخصيات ومؤسسات، تصدرت المشهد السياسي، فالسواد الأعظم لدينا نقاد مزمنون، لا يعجبهم العجب، ولا يستهويهم إنجاز يتحقق على الأرض، رغم أنه في الأصل علم قائم بذاته، يستند على قواعد وأصول تهدف إلى تقويم مسار العملية السياسية، وتلافي الأخطاء والانحرافات، التي تحدث فيها.
ولأن الأنظمة الديمقراطية تسمح للمعارضة عادة بالتعبير عن رأيها بكل الوسائل والطرق المشروعة بما في ذلك الإعلام الذي لا يقل خطره عن الحرب الضروس، فإن تشخيص مواطن الخلل، أمر لا غنى عنه في كل نظام سياسي، يقوم على الإرادة الشعبية.
ولا أعلم لماذا لا يأخذ النقد السياسي هذا المسار الإيجابي، ويسلط الضوء على الجوانب المشرقة التي تخدم البلاد، ولماذا لا يحاول الإشادة بالإنجازات التي تجعلها تبلغ مستوى عالياً من التقدم مع أن مثل هذا الأمر هو ما ينفع الناس في كل زمان ومكان.
علينا أن نتعلم أن من الخير لنا أن ننعم بالأمن والسلام، ولا نفتعل الخصومات والعداوات، والسبيل الأمثل لذلك هو وضع الأداء الحكومي على طاولة التشريح، والعمل على تشخيص الأخطاء واقتراح الحلول، فمثل هذا الأمر يعني تعاون الجميع من أجل هدف سامٍ هو البناء والعمران، وحفظ البلاد من أي خطر داخلي أو خارجي، وهذا هو السلوك الصحيح لوضع البلاد على سكة التقدم، حتى تستعيد مكانتها بين أمم وشعوب العالم.
أما السلوك العدواني الموروث ، تجاه كل من تقوده قدماه إلى حضن السلطة، فهو أمر لا يقره عقل، ولا يقبله منطق، ولا يدوم به سلطان.