الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إنتاج‭ ‬الوجوه‭ ‬المستنسخة بحقن‭ ‬الوهم

بواسطة azzaman

إنتاج‭ ‬الوجوه‭ ‬المستنسخة بحقن‭ ‬الوهم

عدنان ابو زيد

 

‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬هذا،‭ ‬حيث‭ ‬يُقاس‭ ‬الجمال‭ ‬بمعايير‭ ‬مصطنعة،‭ ‬وتُغرق‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الوهم،‭ ‬اجتمعت‭ ‬ثلاث‭ ‬صديقات‭ ‬كن‭ ‬يبحثن‭ ‬عن‭ ‬الكمال‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يفرض‭ ‬عليهن‭ ‬مظهرا‭ ‬اصطناعيا‭ ‬مزيفا،‭ ‬لا‭ ‬طبيعيا‭.‬

كن‭ ‬مختلفات‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬تحمل‭ ‬بصمة‭ ‬الطبيعة‭ ‬الفريدة،‭ ‬لكنهن‭ ‬سقطن‭ ‬في‭ ‬فخ‭ “‬التطوير‭ ‬الذاتي‭” ‬المزعوم،‭ ‬الذي‭ ‬يُروج‭ ‬له‭ ‬كدواء‭ ‬للروح‭ ‬المضطربة‭.‬

ذهبن‭ ‬إلى‭ ‬عيادات‭ ‬التجميل،‭ ‬تلك‭ ‬المعامل‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬منتج‭ ‬صناعي،‭ ‬وخرجن‭ ‬منها‭ ‬نسخاً‭ ‬متطابقة،‭ ‬كأنهن‭ ‬صُنعن‭ ‬من‭ ‬قالب‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬مصنع‭ ‬الجمال‭ ‬الرخيص‭.‬

الشفاه‭ ‬انتفخت‭ ‬كبالونات‭ ‬مليئة‭ ‬بالهواء‭ ‬الفارغ،‭ ‬والخدود‭ ‬تضخمت‭ ‬حتى‭ ‬بدت‭ ‬كثمار‭ ‬تفاح‭ ‬مصطنعة،‭ ‬تخفي‭ ‬تحتها‭ ‬فراغاً‭ ‬داخلياً‭.‬

الجباه‭ ‬شُلت‭ ‬بالسموم‭ ‬الكيميائية،‭ ‬فصارت‭ ‬الابتسامة‭ ‬جريمة‭ ‬محظورة،‭ ‬والضحكة‭ ‬تعبيراً‭ ‬جامداً‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬إلا‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الزمن‭.‬

أما‭ ‬الخلفيات،‭ ‬فقد‭ ‬انتفخت‭ ‬كعوامات‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬من‭ ‬الأوهام،‭ ‬تجعل‭ ‬الجسد‭ ‬يفقد‭ ‬توازنه‭ ‬الطبيعي‭.‬

أصبحن‭ “‬الثلاثي‭ ‬المتكرر‭”‬،‭ ‬يتجولن‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ويتهامس‭ ‬الناس‭ ‬خلفهن‭: “‬إنهن‭ ‬من‭ ‬خط‭ ‬إنتاج‭ ‬واحد،‭ ‬صيني‭ ‬الطراز،‭ ‬رخيص‭ ‬الثمن،‭ ‬يختلف‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬لون‭ ‬الطلاء‭ ‬الخارجي‭”.‬

الرجال‭ ‬يبتعدون‭ ‬مذعورين،‭ ‬يفضلون‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الجمال‭ ‬المصطنع‭.‬

يقول‭ ‬أحدهم‭ ‬بصدق‭ ‬قاسٍ‭: “‬أفضل‭ ‬الزواج‭ ‬بدمية‭ ‬بلاستيكية‭ ‬صامتة،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لا‭ ‬تطلب‭ ‬فلاتر‭ ‬جديدة،‭ ‬ولا‭ ‬تنهار‭ ‬أمام‭ ‬تجاعيد‭ ‬الزمن‭ ‬الطبيعية‭”.‬

‭ ‬يقترب‭ ‬آخرون،‭ ‬لكنهم‭ ‬يواجهون‭ ‬وجوهًا‭ ‬جامدة‭ ‬كتماثيل‭ ‬شمع‭ ‬مذابة‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬مهجور،‭ ‬لا‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مشاعر،‭ ‬ولا‭ ‬تحمل‭ ‬أثر‭ ‬الحياة‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الفكرة‭ ‬الجهنمية‭: ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الطبيعي‭.‬

ذهبن‭ ‬لإزالة‭ ‬الحشوات،‭ ‬آملات‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬الذات‭ ‬الأصلية،‭ ‬لكن‭ ‬الكارثة‭ ‬كانت‭ ‬شاملة،‭ ‬الشفاه‭ ‬انكمشت‭ ‬كزبيب‭ ‬محروق‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬العمر،‭ ‬والخدود‭ ‬ترهلت‭ ‬كأكياس‭ ‬فارغة‭ ‬مذبوحة،‭ ‬والوجوه‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬خرائط‭ ‬تجاعيد‭ ‬عميقة‭ ‬وتشوهات‭ ‬دائمة‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيها‭.‬

الإبر‭ ‬اندثرت،‭ ‬لكن‭ ‬الندم‭ ‬بقي،‭ ‬والمرآة‭ ‬صارت‭ ‬جلاّداً‭ ‬يومياً‭ ‬يذكرهن‭ ‬بخطئهن،‭ ‬والصور‭ ‬القديمة‭ ‬تُحرق‭ ‬في‭ ‬طقوس‭ ‬ندم‭ ‬متأخر‭.‬

اليوم‭ ‬يجلسن‭ ‬معاً،‭ ‬ينظرن‭ ‬إلى‭ ‬بعضهن‭ ‬بوجوه‭ ‬مشوهة،‭ ‬ويهمسن‭ ‬بمرارة‭: “‬كنا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مميزات،‭ ‬فصرنا‭ ‬نسخاً‭ ‬فاشلة‭ ‬رخيصة‭”.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الدرس‭ ‬يذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬الجمال‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الطبيعة،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الإبر‭ ‬والحقن،‭ ‬ففي‭ ‬سعينا‭ ‬للكمال‭ ‬المزيف،‭ ‬نفقد‭ ‬أنفسنا،‭ ‬ونصبح‭ ‬ضحايا‭ ‬لمجتمع‭ ‬يقيس‭ ‬القيمة‭ ‬بالمظهر،‭ ‬لا‭ ‬بالجوهر‭.‬

هل‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬نستمر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوهم،‭ ‬أم‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬حكمة‭ ‬الزمن‭ ‬التي‭ ‬تُعلمنا‭ ‬القبول‭ ‬بالذات؟‭  ‬


مشاهدات 15
الكاتب عدنان ابو زيد
أضيف 2026/01/23 - 1:59 PM
آخر تحديث 2026/01/24 - 1:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 17986 الكلي 13525409
الوقت الآن
السبت 2026/1/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير