بين ضجيج الأحداث تبقى القيم
ساجدة جبار
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم الأخبار، يصبح الإنسان محاصرًا بضجيج لا يهدأ؛ حروب، أزمات، صراعات سياسية، كوارث طبيعية، وتحولات اقتصادية تمسّ حياة الملايين. وسط هذا الضجيج، يضيع أحيانًا صوت القيم، وتبهت المبادئ تحت ضغط المصالح والخوف والنجاة الفردية.
لم يعد الخبر مجرّد معلومة، بل صار مشهدًا متكررًا يختبر إنسانيتنا كل يوم. صور الألم أصبحت اعتيادية، والاعتياد أخطر ما يمكن أن يصيب الضمير؛ لأن التكرار قد يقتل الإحساس، ويحوّل المأساة إلى رقم عابر في نشرة أخبار. لكن، رغم كل ذلك، تبقى القيم هي الميزان الحقيقي للأحداث. فالعدل لا يفقد معناه في زمن الظلم، والرحمة لا تسقط قيمتها في أوقات القسوة، والصدق لا يصبح عبئًا لمجرد أن الكذب أسهل انتشارًا. القيم لا تُقاس بمدى شيوعها، بل بمدى ثباتها حين تشتد العواصف.
في خضم الأزمات، يظهر المعدن الحقيقي للأفراد والمجتمعات. هناك من يستغل الفوضى ليكسب، وهناك من يرى في الألم مسؤولية أخلاقية لا يمكن تجاهلها. كلمة صادقة، موقف إنساني، أو حتى صمت محترم في زمن التهييج… كلها أشكال مقاومة هادئة تحافظ على جوهر الإنسان.
العالم اليوم لا يحتاج مزيدًا من الشعارات، بل إلى ممارسة القيم على أرض الواقع. أن نختلف دون أن نتوحش، أن نتابع الأحداث دون أن نفقد تعاطفنا، وأن نعبّر عن آرائنا دون أن نُسقط إنسانية الآخر. فالقيم ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة لبقاء المجتمعات متماسكة في وجه الانقسام. قد لا نملك تغيير مجرى الأحداث العالمية، لكننا نملك دائمًا خيار الحفاظ على قيمنا. وهذا الخيار، وإن بدا بسيطًا، هو ما يصنع الفارق الحقيقي. فبين ضجيج الأحداث… تبقى القيم، شاهدة علينا، إما لنا أو علينا.