الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وماذا عن اليسار الإنساني؟

بواسطة azzaman

وماذا عن اليسار الإنساني؟

عبد الحسين شعبان

 

كتبت لي إحدى المحاميات التونسيات تعليقات حول «ثلاثية» أين مشروع اليسار العربي؟ تقول فيها:

أولًا – لقد أضاع اليسار العربي واليسار التونسي فرصًا كثيرة للنجاح، ولكن بالرغم من عدم نجاحه، فقد كان مصدر إزعاج للسلطات أو للقوى الأخرى؛ وثانيًا - لم يستطع اليسار بشكل عام أن يتصالح مع الدين والعادات والتقاليد المجتمعية، وظلّت مواقفه على العموم غير مريحة، وهو ما أشرت إليه في مقالاتك الثلاث؛ وثالثًا – أنه يتعامل بطريقة ازدواجية، فهو يقول الشيء وضدّه، ويفعل أحيانًا عكس ما ينادي به، وأسوق على ذلك مثالًا حساسًا، وأعني بها نظرته إلى المرأة، فهو يدعو إلى تحريرها ومساواتها مع الرجل، لكنه يتعامل معها بطريقة أدنى، وغالبًا ما ينظر إليها وعاءً للجنس، أما مع عائلته فسلوكه يكاد يشبه الإقطاعي مع فلّاحيه أو أملاكه. وربما تتفاجئ من قولي إن الإسلامي أكثر من اليساري تقديرًا للمرأة التي معه، على الرغم ممّا قيل ويقال عن تخلّفه.

 

وأضافت تقول: كنت قبل الثورة في تونس أدافع عن اليسار بشراسة نظرًا لأن أبي (حفظه الله) كان نقابيًا، وهو يساري الهوى، أما حاليًا وبعد التجربة المريرة، فأنا مقتنعة أن اليسار لا يمكنه النجاح بتوجهاته السياسية الراهنة، ولا بالنماذج التي تمثّله، وربما يولد جيل آخر بمسمّى آخر، لكنه يحمل الإنسانية في قلبه وعلى لسانه قولًا وفعلًا بعيدًا عن مسمّى اليسار. لقد فتحت المحامية التونسية موضوع اليسار الإنساني الذي وردت الإشارة إليه في العديد من دراساتي ومـــــــــــــــقالاتي، ويمكنني القول أن اليسار بشكل عام والماركسي (المادي الجدلي) بشكل خاص شغل العالم، بمـــــــــــــا فيه شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللّاتينية، بل ألهمها في النضال، ولا يزال تأثيره الفكري والمعنوي يحتفظ بجزء من بريق القرن العشرين، ولاسيّما في خمسينياته وستينياته، دون نسيان أخطائه وعيوبه وثغراته ومثالبه، سواء كان حاكمًا أو محكومًا، وتجربة الحكم في أوروبا الشرقية وتجارب أخرى ما تزال ماثلةً للعيان مؤكّدةً نمطًا جديدًا للسلطوية والاستبداد، أما اليسار المحكوم  فقد ظلّ أسيرًا للأنظمة الاشتراكية القائمة وتجاربها الفاشلة.

لقد ترك اليسار الماركسي بصمةً مؤثرّةً في العلاقات الدولية، ولكنه عانى من تحديّات ومشكلات حدّت من تأثيره، بل ألحقت به هزيمةً تاريخيةً، خصوصًا بتفكّك الكتلة الاشتراكية والإطاحة بأنظمتها الشمولية الاستبدادية، حيث واجه اليسار معضلات غير مسبوقة بفعل التحوّلات الاقتصادية السريعة التي فرضتها العولمة وما رافقها، الأمر الذي أحدث فراغًا فكريًا وعمليًا لقوّة عظمى كان ظهيرًا لها.

وكان من نتائج تلك التغييرات صعود يمين متطرّف، وتيارات شعبوية معادية للأجانب وللمسلمين والعرب بشكل خاص، اعتمدت الإسلاموفوبيا (الرهاب من الإسلام) تعاظمت في الغرب مستبدلةً الصراع الأيديولوجي ضدّ الشيوعية بالإسلام، في حين تبنّت الجماعات الإسلاموية الويستفوبيا (الرهاب من الغرب) معتبرة كلّ ما يأتي منه عنصريًا واستعلائيًا واستعماريًا، دون تفريق بين الغرب السياسي والغرب الثقافي والإنساني الذي يقف إلى جانب القضايا العادلة، ولاسيّما مع القضية الفلسطينية.

لقد عاش اليسار فترة جمود طويلة قادت إلى تعطيله بسبب الاختناقات الاقتصادية والبيروقراطيات الحزبية، لدرجة فقد قدرته على تجديد نفسه أو ابتكار أساليب جديدة تتناسب مع عالم الحداثة وما بعده.

وحسب الفيلسوف السلافي سلافوي جيجك، كان ينبغي الحفاظ على جوهر الماركسية النقدي، وشرطه هو تحديث الماركسية نفسها وتفعيلها من جديد.

علينا الإقرار اليوم بعدم وحدانية اليسار، فالتنوّع أصبح ظاهرة كونية، وفشلت الدعوات ذات الأبعاد الدوغمائية التي تقول إن وجود حزبين شيوعيين في بلد واحد يعني أن أحدهما انتهازي، وهناك اليوم تيارات شيوعية واشتراكية ديمقراطية واجتماعية وحركات مدنية وحقوقية وبيئية وجندرية وضدّ العنصرية وضد التعصّب الديني والطائفي، كلّها يمكن أن تندرج في إطار يسار واسع، هو ما ندعوه باليسار الإنساني.

 

وتشمل هويّة اليسار الجديدة كل ما يدعو إلى المساواة والعدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق المجاميع الثقافية وقيم السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، دون نسيان التغيرات البيئية والمناخية والاحتباس الحراري.

 اليسار بحاجة إلى اكتشاف ذاته من خلال تجديد رؤيته، وصياغة حلول جديدة لأوضاع جديدة، فمهمته لا تقتصر فقط على الدفاع عن الفقراء، بل التفاعل مع قضايا العالم المعقدة، تلك التي جرت الإشارة إليها، إضافة إلى ضم المبادئ، التي تدعو إلى العدالة الاجتماعية، إلى المبادئ الإنسانية العامة. وتلك فرصة اليسار لإعادة بناء نفسه وتجديد توجّهاته بحيث تستجيب للتطوّر الكوني، دون التشبّث بالأفكار الشمولية التي قادت إلى هدر القيم الإنسانية والانتقاص من الديمقراطية.

ليس اليسار من يبـــــــــــــكي على جيفارا، في حين يؤيّد احتلال بلده بحجة الخلاص من الديكتاتورية، وليس اليسار من يؤيّد نزع سلاح المقاومة بزعم عدم استفزاز إسرائيل مبررًا همجيّتها وحرب الإبادة التي شنتها ضدّ أهل غزّة بعد عملية طــــــــــــــوفان الأقصى، وليس اليسار من يؤيّد عدوان واشنطن على فنزويلا واقتيادها الرئيس مادورو وزوجته أسيرين في عملية قرصنة لا مثيل لها بزعم كونه ديكتاتورًا أو حتى تاجر مخدرات.

لا يمكن لليسار أن يكون يسارًا حقيقيًا وصادقًا مع نفسه بغض النظر عن اجتهاداته، ما لم يتّخذ موقفًا ضدّ سياسات الولايات المتحدة الاستعمارية، وهل يمكن إلقاء اللوم على الشعوب بزعم استفزازها للمشروع الأمريكي ولتعليمات الرئيس دونالد ترامب وأوامر حليفه الإسرائيلي   بنيامين نتنياهو؟

 أكاديمي ومفكر

 


مشاهدات 103
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/01/10 - 4:37 PM
آخر تحديث 2026/01/11 - 10:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 315 الشهر 7697 الكلي 13115120
الوقت الآن
الأحد 2026/1/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير