الإعلام وصناعة النمر الورقي
حسن الحيدري
لثلاثة عقود واكثر لم تكن الدولة تدار بالمؤسسات فحسب رغم شدتها بقدر ما كانت تدار عبر قناة واحدة شاشة محلية تحتكر الصوت وتعيد تشكيل الواقع كما تشاء تصفق وتعد الهمسات البينية خوفا وطمعا في مختلف الاحيان حتى اصبح الإعلام ذاته اداة حكم لا تقل تاثيرا عن الجيش او الاقتصاد لم يكن المهم ما يحدث فعليا بل كيف يعرض وكيف يقال ومن يقوله هكذا صنع النمر الورقي صورة متضخمة للقوة وهيبة تضخ يوميا عبر الخطابات والاغنيات والإيماءات وطريقة المشي والتلويح ونبرة الصوت تفاصيل مدروسة بعناية لأنها تخاطب مجتمعا كان آنذاك متعطشا لاي بث لاي نافذة لاي صوت قادم من خلف الجدار السميك للعزلة قبل اثنان وعشرون عاما لم يكن هناك بديل قناة واحدة كانت كافية لأدلجة مجتمع كامل مجتمع ينظر لكف الخبز بديلا عن الماعون وعن كرامة رمزية تعوض الجوع والحصار اقترنت مفاهيم العز والهيبة باسم السلطة بينما كانت القطيعة والحروب تنخر هيكل العراق العظمي بصمت مؤلم
المفارقة ان كثيرا من تلك الكوارث لم تكن قدرا محتوما كان يمكن تفاديها بالتفاوض لا بالمواجهة وبالعقل لا بالخطاب التعبوي والاستنزاف البشري وحرق الاجيال التي تحمل رؤسهم ذاكرة مفخخة من الحزن والخوف والنوم في طرق القطارات المؤدية للالتحاق المحفوفة بالموت والمنقوعة بفراق الام والاخت والزوجة والابناء لكن حين يصبح الاعلام اداة تعبئة لا اداة وعي تتحول الدولة الى فكرة طائشة و صورة ووهم لشعب يأن بين ازمتي اللسان والرغيف اليوم تغير المشهد لكن الخطر لم يختف المجتمع الحالي يعشق البث الرقمي ويبحث عن الظهور كما كان يبحث سابقا في اي وسيلة ولو ذات خطاب واحد الفرق ان المنصة لم تعد قناة رسمية بل هاتفا في الجيب وبدل الالتحاقات الى السهرات والقاعات والاغنيات والمشروبات وبينهما ضاعت ايام وطن يتغنى بيا ليت شبابه يعود يوما بعضهم قد يضرب رأسه بالحذاء مجازا او حرفيا مقابل عدد مشاهدات اعلى او لحظة شهرة عابرة الآلية واحدة وان اختلفت الوسائل صناعة الصورة بدل الحقيقة والانفعال بدل التفكير والانتشار بدل المعنى الدرس الذي لم نتعلمه بعد هو ان الاعلام حين لا يقابل بوعي يمكنه بسهولة اعادة انتاج النمر الورقي باشكال جديدة واصوات مختلفة لكن بالنتيجة ذاتها مجتمع منقاد بالصورة لا بالواقع.