الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أقسام الإعلام التقليدي والرقمي (3)

بواسطة azzaman

أقسام الإعلام التقليدي والرقمي (3)

الواقع والتحدّيات ومسارات الإنقاذ

ياس خضير البياتي

 

إذا كان الحديث عن أقسام الإعلام التقليدي والرقمي قد كشف في الجزأين السابقين حجم الفجوة بين ما يُدرَّس وما يُفترض أن يكون، فإن الجزء الثالث يذهب مباشرة إلى جوهر الإشكال: واقع الإدارة، وطبيعة القرار، ومن يضع المناهج، ومن ينفذها، ولمصلحة من.

الإدارة بين الولاء والكفاءة

في الجامعات الحكومية، تتجلى الإشكالية الأعمق في آلية اختيار القيادات الأكاديمية والإدارية، وهي آلية كثيرًا ما تبتعد عن منطق الكفاءة والخبرة والتاريخ العلمي، لتخضع لاعتبارات خارج الإطار الأكاديمي. فبدل أن يُنظر إلى المنصب بوصفه مسؤولية معرفية وإدارية تتطلب رؤية وقدرة على التخطيط، تتقدّم في حالات عديدة معايير المحاصصة الحزبية كما هو الحال في العراق، أو ما يمكن تسميته بـ الأُخويّات والشبكات الشخصية، حيث تُدار المواقع القيادية بمنطق الولاء لا بمنطق الإنجاز.

هذا النمط من الإدارة يفرز قيادات حذرة، تميل إلى تجنّب القرار، وتخشى التغيير، لأن وجودها ذاته غير قائم على مشروع علمي واضح، بل على توازنات هشة. ونتيجة لذلك، تغيب الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، وتتحول الأقسام إلى وحدات إدارية لتسيير الوقت لا لتطوير المعرفة. وتُعاد تدوير المناهج نفسها لسنوات طويلة دون مراجعة حقيقية، ويُنظر إلى التحديث بوصفه عبئًا أو مخاطرة، لا ضرورة أكاديمية.

الأخطر من ذلك أن هذه الإدارات غالبًا ما تعيق المبادرات الفردية للأساتذة الأكفاء، وتضع العراقيل أمام أي محاولة لتجديد البرامج أو إدخال مواد حديثة، بحجة التعليمات أو الخوف من المساءلة، ما يخلق بيئة طاردة للإبداع، ومحبِطة للكفاءات، ودافعة نحو الركود.

وهكذا لا يُنتج هذا النموذج إدارة تعليمية قادرة على الاستجابة لتحولات الإعلام المتسارعة، بل يكرّس فجوة متزايدة بين الجامعة والواقع المهني، ويحوّل التعليم الإعلامي إلى ممارسة شكلية تُدار بلا روح، وتُكرَّس فيها المناهج البالية بوصفها أمرًا واقعًا لا يُمسّ.

الجامعات الأهلية: شكل جذاب ومضمون محدود

أما في الجامعات الأهلية، فإن المشكلة تتخذ شكلًا مختلفًا، لكنها لا تقلّ خطورة من حيث النتائج. فالمستثمر، في عدد غير قليل من هذه المؤسسات، ينظر إلى الجامعة بوصفها مشروعًا ربحيًا قبل أن تكون فضاءً معرفيًا. ونتيجة لذلك، يُلاحظ التردد في ضخّ استثمارات حقيقية لبناء بنية تحتية تعليمية متكاملة لأقسام الإعلام، فضلًا عن التدخل المباشر أو غير المباشر في اختيار القيادات الإدارية والأكاديمية، وفق اعتبارات الكلفة والولاء، لا وفق معيار الكفاءة والتخصص. ورغم أن بعض الجامعات الأهلية تبدو، ظاهريًا، أفضل تجهيزًا من نظيراتها الحكومية، فإن هذا التفوّق غالبًا ما يكون شكليًا أو جزئيًا، لا نابعًا من رؤية تعليمية عميقة.

تخلف البنية التحتية

والأهم من ذلك أن البنية التحتية في الجامعات الأهلية، على الرغم من تفوقها النسبي داخل السياق المحلي، تظل متخلّفة عند مقارنتها بالمعايير المعتمدة في الدول المتقدمة. فالمختبرات والاستوديوهات المتاحة في كثير من الأحيان لا تتجاوز كونها تجهيزات أساسية، غير قادرة على محاكاة بيئات العمل الحقيقية في صناعة الإعلام الرقمي. وهي تفتقر إلى منصات الإنتاج المتعدد الوسائط، وأدوات تحليل البيانات، وبرمجيات إدارة المحتوى الرقمي، وتقنيات السرد التفاعلي، التي باتت شرطًا أساسيًا لتخريج إعلامي متأقلم مع سوق العمل المعاصر. وبهذا، تتسع الفجوة بين ما يُدرَّس داخل القاعات، وما يتطلبه الواقع المهني، لتتحول أقسام الإعلام الرقمي – في الجامعات الحكومية والأهلية على حد سواء – إلى مساحات تعليمية تدرّس «إعلامًا رقميًا نظريًا» بلا أدواته الفعلية.

المناهج: أزمة جوهرية

وتبقى الإشكالية الأخطر والأكثر تأثيرًا في مستقبل أقسام الإعلام، سواء في الجامعات الحكومية أم الأهلية، هي إشكالية البرامج والمناهج وآليات إعدادها وتدريسها. فهذه المناهج، التي يُفترض أن تكون البوصلة المعرفية والمهارية للطالب، كثيرًا ما تُبنى على أسس مرتجلة، أو تُدار بعقلية إدارية لا بعقلية أكاديمية متخصصة. وغالبًا ما تُسند مهمة إعداد أو تدريس مناهج الإعلام، ولا سيّما الإعلام الرقمي، إلى أساتذة غير مؤهلين فعليًا لهذا الحقل المركّب والمتداخل؛ فإما أن يكونوا بعيدين عن الاختصاص الإعلامي أصلًا، أو منتمين إلى تخصصات تقليدية لم تواكب التحولات الرقمية المتسارعة، أو يفتقرون إلى الحدّ الأدنى من المهارات التقنية التي يفترض أن تشكّل أداة العمل اليومية للإعلامي المعاصر، إلى درجة العجز عن التعامل مع الحاسوب بوصفه منصة إنتاج معرفي ومهني لا مجرد وسيلة للعرض أو الطباعة.

غياب التخصص الرقمي

وفي مقابل هذا النقص، تظهر إشكالية معاكسة لا تقل خطورة، تتمثّل في إسناد تدريس مناهج الإعلام الرقمي إلى مختصين في علوم الحاسوب أو تكنولوجيا المعلومات بوصفها تخصصًا صرفًا، من دون امتلاكهم خلفية إعلامية أو فهم لطبيعة الرسالة الاتصالية، أو لطبيعة الجمهور، أو لأخلاقيات العمل الصحفي والإعلامي. وفي هذه الحالة، تتحوّل المادة الدراسية إلى محتوى تقني جاف، يركّز على البرمجة أو الأدوات بوصفها غاية بحد ذاتها، لا بوصفها وسائل لخدمة الخطاب الإعلامي، وصناعة المعنى، والتأثير في الرأي العام. وهكذا يفقد الطالب البوصلة بين ما هو تقني وما هو إعلامي، فلا يخرج مبرمجًا محترفًا، ولا إعلاميًا واعيًا، بل يقع في منطقة رمادية لا تؤهله لسوق العمل ولا تمنحه هوية مهنية واضحة.

وتتفاقم هذه الإشكالية مع ندرة الكوادر المتخصصة في الإعلام الرقمي، وغلبة أساتذة الإعلام التقليدي على هذه الأقسام، حيث يُعاد إنتاج المناهج القديمة بصيغ جديدة شكلًا فقط، من دون مراجعة جوهرية للمحتوى أو الفلسفة التعليمية. فتُدرَّس الصحافة الرقمية بعقلية الصحافة الورقية، ويُختزل الإعلام الجديد في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من دون فهم عميق لبُنى المنصات، والخوارزميات، وتحليل البيانات، وصناعة المحتوى المتعدد الوسائط، وإدارة التفاعل، واقتصاديات الإعلام الرقمي. والنتيجة هي تخريج أجيال تمتلك معرفة نظرية مجتزأة، ومهارات تقنية محدودة، وعجزًا واضحًا عن التكيّف مع متطلبات السوق الإعلامي المتحوّل بسرعة تفوق قدرة المناهج الحالية على اللحاق به.

ويُضاف إلى ذلك الندرة الحقيقية في أساتذة الإعلام الرقمي المتخصصين، وهي ندرة لا تتعلق بعدد الكوادر فحسب، بل بطبيعة التأهيل ذاته. فغياب التكوين المزدوج الذي يجمع بين الفهم الإعلامي العميق والمهارة التقنية الحديثة، أدى إلى هيمنة أساتذة الإعلام التقليدي على أقسام الإعلام الرقمي، بحكم وفرتهم العددية لا بحكم ملاءمتهم العلمية. ونتيجة لذلك، يُدرَّس الإعلام الرقمي بعقلية الصحافة الورقية أو الإذاعة الكلاسيكية.

 وبمفاهيم ومصطلحات تجاوزها الزمن، حيث تُنقل نظريات الاتصال القديمة كما هي، وتُطبَّق آليات التحرير التقليدية على بيئات رقمية مختلفة جذريًا في بنيتها ووظيفتها وسرعة تحوّلها.

في هذا السياق، يُختزل الإعلام الرقمي إلى مجرد “نسخة إلكترونية” من الإعلام التقليدي، أو إلى استخدام شكلي لمنصات التواصل الاجتماعي، من دون تعرّض جاد لقضايا جوهرية. وهكذا تتخرّج أجيال تحمل صفة “إعلام رقمي” اسميًا فقط، لكنها تفتقر إلى أدواته الفعلية، وغير قادرة على الاندماج في سوق العمل المعاصر، أو المنافسة في بيئة إعلامية عابرة للحدود، سريعة التغيّر، لا تعترف إلا بالكفاءة والمهارة والتحديث المستمر.

الحل: اصلاح جذري وشامل

إن تجاوز أزمة أقسام الإعلام، في الجامعات الحكومية والأهلية على حدّ سواء، لا يمكن أن يتحقق عبر معالجات شكلية أو ترقيعات مؤقتة، بل يتطلّب إرادة إصلاح جذرية تبدأ من قمة الهرم الأكاديمي وتنتهي عند قاعة الدرس.

فالخطوة الأولى والأساس تكمن في إعادة النظر جذريًا في آليات اختيار القيادات الأكاديمية والإدارية، وربطها بمعايير واضحة تقوم على الكفاءة العلمية، والخبرة التخصصية، والتاريخ المهني، لا على منطق المحاصصة الحزبية أو العلاقات الشخصية أو التوازنات غير الأكاديمية. إذ لا يمكن لأي قسم أن ينهض، أو لأي منهج أن يتطوّر، في ظل إدارة لا تمتلك رؤية، أو تخشى التغيير، أو تُدار بوصفها موقعًا إداريًا لا مشروعًا معرفيًا.

وفي السياق ذاته، يصبح من الضروري إشراك الأساتذة المتخصصين وأصحاب الخبرة العملية الحقيقية في وضع البرامج والمناهج، ولا سيّما في أقسام الإعلام الرقمي، بوصفه حقلًا مركّبًا لا يحتمل الاجتهادات العشوائية. فترك مهمة تصميم المناهج لغير المختصين، أو لمن لم يختبروا العمل الإعلامي الرقمي في بيئته الفعلية، يؤدي إلى إنتاج مناهج منقطعة عن الواقع، عاجزة عن مواكبة التحولات السريعة في الصناعة الإعلامية، ومكرّسة للفجوة بين ما يُدرَّس وما يُمارَس.

كما تفرض طبيعة الإعلام الرقمي تحقيق توازن حقيقي ومدروس بين البُعد الإعلامي والبُعد التقني، بحيث لا تطغى البرمجة على الإعلام فتفرغه من رسالته الاتصالية، ولا يُختزل الإعلام في خطاب نظري منفصل عن أدواته التقنية. فالتقنية هنا ليست غاية، بل وسيلة، والإعلام ليس محتوى معزولًا، بل فعل تأثير وتواصل ومسؤولية اجتماعية. ومن دون هذا التوازن، يظل الخريج عالقًا بين تخصّصين، من دون امتلاك أدوات أيٍّ منهما بعمق.

ولا يقلّ عن ذلك أهمية الاستثمار الجاد في البنية التحتية، ولا سيّما في الجامعات الحكومية، التي لا يمكن أن تستمر في تدريس الإعلام الرقمي داخل قاعات تفتقر إلى المختبرات، والاستوديوهات، وبرامج الإنتاج، ومنصّات التدريب العملي. فالإعلام الرقمي لا يُدرَّس بوصفه نظرية فقط، بل يُتعلَّم بالممارسة، والتجريب، والاحتكاك المباشر بالأدوات التي تحكم سوق العمل الحقيقي.

ومن أجل ردم الفجوة المتزايدة بين الجامعة والسوق، يصبح من الضروري فتح باب الاستعانة بالخبرات المهنية من خارج الإطار الأكاديمي، من صحفيين رقميين، وصنّاع محتوى، ومختصين في الإعلام الجديد، ممن يملكون خبرة يومية في التعامل مع المنصات، والجمهور، والخوارزميات، واقتصاديات النشر الرقمي. فهؤلاء لا يشكّلون بديلًا عن الأستاذ الجامعي، بل رافدًا عمليًا يثري العملية التعليمية، ويمنح الطالب رؤية واقعية لمستقبل المهنة.

وإذا لم تُتَّخذ هذه الخطوات بجدية ومسؤولية، فإن أي حديث عن تطوير أقسام الإعلام—تقليدية كانت أم رقمية—سيبقى مجرد خطاب تجميلي، لا يعكس الواقع، ولا يلامس جوهر الأزمة، ولا يُنقذ التعليم الإعلامي من مساره المتراجع. وحينها ستظل الجامعة تخرّج مسمّيات، لا مهنيين، وشهادات، لا كفاءات، في زمن لم يعد يعترف إلا بالقدرة على الفعل، لا بالاكتفاء بالاسم.

 


مشاهدات 52
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/02/16 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/02/17 - 4:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 168 الشهر 12934 الكلي 13944578
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير