الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإعلام في عالم يتشكّل

بواسطة azzaman

الإعلام في عالم يتشكّل

عبد الحسين شعبان

 

كان ذلك عنوانًا للمنتدى السعودي للإعلام، الذي التأم في الرياض بمشاركة 300 باحثًا وإعلاميًا وصحفيًا وأكاديميًا وكاتبًا ومفكّرًا، بانضمام أكثر من 250 مؤسسة وجهة متخصصة في الصناعات الإعلامية، وبحضور أكثر من 65 ألف شخص على مدى ثلاثة أيام، وحسب موسوعة غينيس يُعتبر هذا الرقم هو أعلى نسبة حضور ومشاركة عرفتها المنتديات العالمية للإعلام. ويعدّ «المنتدى» فرصةً لتبادل الرأي واستمزاج وجهات النظر والتفاعل بين العديد من خبراء الإعلام والعاملين فيه والمؤسسات الإعلامية العالمية.

ويمكنني القول إن الإعلام يزدهر حيث توجد المعرفة بتلاقحها مع التكنولوجيا، فلم يعد يُبنى داخل الأُطر التقليدية، خصوصًا ونحن في الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي، بعد التطوّر الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والطفرة الرقمية «الديجتال»، حيث شهدت السنوات القليلة المنصرمة قفزات غير مسبوقة من التطوّر فاقت جميع ما سبقها خلال القرون الخمسة الماضية، بفضل استخدام الخوارزميات. وساهمت الاكتشافات العالمية الكبرى في تطوّر الإعلام كثيرًا، ابتداءً من الطباعة ومن ثم المحرّك البخاري وفيما بعد الكهرباء، ولكن استخدامات الذكاء الاصطناعي اليوم أحدثت ثورات عديدة متداخلة ومترابطة ومتراكبة في جميع حقول المعرفة، الأمر الذي جعل من الإعلام قوّة موازية للقوّة العسكرية والاقتصادية والثقافية، بما يمتلك من وسائل ناعمة لصناعة الرأي العام والسيطرة على العقول.

 والمعرفة قوّة كما قيل قديمًا على لسان الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون، وتتأتّى هذه المعرفة من المعلومة، وبتراكمها تتكوّن الحكمة وفقًا لبرتراند راسل، وإذا كانت المعرفة وسيلة للتواصل والتفاهم والتعايش مع الآخر، فإنه يمكن أن تُستخدم في الوقت نفسه أداة إقصاء وإلغاء واستغلال وتهميش وحروب.

وحسب الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، ثمة فضائل خمسة للمعرفة، هي الإحسان والصلاح واللياقة والحكمة والإخلاص، أما الحكم فهو بالفضيلة لا بالقوّة، وإن كانت ثمة فوارق بين القوّة والعنف، فالقوّة هي فضيلة القلب الحر والشجاع، أمّا العنف فهو نتاج الشر والجبن.من الصعب اليوم وضع حواجز بين المعرفة والجمهور بفعل الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يثير تحديّات مختلفة بالاتجاهين الإيجابي والسلبي، حيث يمكن استثمار الأول لنشر قيم السلام والتسامح والحريّة والمساواة والعدل واحترام الاختلاف والتنوّع والتعدّدية، في حين يمكن استثمار الثاني بالتضليل ونشر ثقافة التعصّب والاستعلاء والهيمنة والعنف والحروب. وفي الحالتين يتعلّق الأمر بالجهة التي تهيمن على الإعلام وتقود توجّهاته.

اداة تواصل

وثمة علاقة عضوية بين المعرفة واللغة، والأخيرة هي أداة تواصل وتفاهم وتبادل وتفاعل، وهي نظام من رموز وأصوات وإشارات يتعارف عليها الأفراد وتُستخدم للتعبير عن الأفكار والمشاعر والحاجات، وهي وسيلة لنقل المعارف وبناء هويّة ثقافية موحّدة في المجتمع، وفي التفاهم بين الهوّيات المختلفة بما تمثّله من منظومة فكرية معرفية للإنسان، فهي وسيلة للتفكير بين النخب أيضًا، والتعبير عن الذات والـتأسيس للوعي المجتمعي. وبالطبع تعتمد اللغة على هدف من يستخدمها أيضًا، فقد تكون عامل تنوير وعنصر تغيير، كما يمكن أن تكون وسيلة لنشر البغضاء والكراهية وبث الطائفية والتعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب. الإعلام الذي نعيشه اليوم يختلف عن كلّ ما عرفته البشرية في تاريخها. وإذا كانت ثمة اكتشافات مهمة ومحطات مفصلية كبيرة في القرون الخمسة المنصرمة، فإن الإعلام في ظل الذكاء الاصطناعي يُعتبر قمّةً شاهقةً لجميع ما أنجزته البشرية، وأخذ يهيمن على العالم، ومثلما قيل في الحرب العالمية الأولى «من يمتلك النفط يسيطر على العالم»، فمنه وقود الحافلات وبنزين الطائرات والغواصات والدبابات، فاليوم ثمة من يقول «من يملك الرقائق الإلكترونية الدقيقة» ويحسن استخدامها يمكنه التحكّم بالحرب والسلم والصحة والبيئة والحياة الشخصية والأمن الوطني والأمن الدولي، وهكذا يستطيع السيطرة على العالم، الأمر الذي يحتاج إلى خلق نوع من توازن القوى على المستوى الدولي، بما يؤدي إلى عقلنة استخدامات الذكاء الاصطناعي وأنسنته وقوننته وأخلقته، وهكذا سيكون نافعًا وبصورة باهرة للإنسانية، وعكس ذلك سيكون خطرًا عليها، بل مدمّرًا لها.وحين نتحدّث عن الإعلام الجديد فإننا نتحدّث عن الإعلام الرقمي في زمن تتسارع فيه الابتكارات لصناعة أجيال جديدة من خلال منظومة تفاعلية تعتمد على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمتاز بالمشاركة الفردية الواسعة.

حدود التصور

الأمر الذي كسر احتكار المعرفة، وقد نشهد صعوده بصورة خارقة وفوق حدود التصوّر، حيث يمتلئ الفضاء الكوني بتغييرات عميقة في نماذج الأعمال، وهو ما يحتاج إلى بناء الأثر المستدام عبر التعاون الدولي، فالإعلام اليوم يمتلك فرص الـتأثير المعرفي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ويسهم في بناء تصوّر كامل عن عالم جديد يتشكّل، وهو ما كان محط المنصّات الحوارية المفتوحة والمعرفية في المنتدى السعودي للإعلام .

أكاديمي ومفكّر

 

 


مشاهدات 42
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/02/08 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/02/09 - 7:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 278 الشهر 6300 الكلي 13937944
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير