العراق يُجر إلى صراعٍ لا مكسب فيه
عباس النوري العراقي
لم تعد السياسات الأمريكية في السنوات الأخيرة موضع اعتراض الخصوم وحدهم، بل باتت مثار قلق متزايد لدى شعوب العالم، وداخل الرأي العام الأمريكي نفسه، وحتى في أوساط سياسية وفكرية كانت تقليدياً جزءاً من مؤسسة القرار. فالعالم، وهو يراقب أسلوب إدارة الولايات المتحدة للأزمات، يشعر أنه يُدفع قسراً نحو توترات لا تخدم الاستقرار الدولي بقدر ما تخدم حسابات ضيقة تُقدَّم بوصفها “مكاسب قومية”.
لقد اتسم النهج الأمريكي، ولا سيما في عهد دونالد ترامب، بنزعة صدامية واضحة، تقوم على منطق الصفقة والضغط والتهديد، أكثر من قيـــــــــامها على إدارة الـــــــــــــتوازنات الدولية.
نقاش داخلي
هذا الأسلوب لم يضرّ خصوم الولايات المتحدة فحسب، بل أضرّ بصورة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وفتح نقاشاً داخلياً واسعاً حول كلفة هذه السياسات وجدواها، حين تُدار العلاقات الدولية بعقلية “الغنيمة” لا بعقل الدولة.
إن التلويح بإمكانية تكرار سيناريوهات الإكراه أو التدخل في أي مكان من العالم لا يعكس فائض قوة، بقدر ما يكشف قلق القوة من تراجع قدرتها على الضبط. فالتاريخ يعلّمنا أن الهيمنة حين تفقد انضباطها، تبدأ مرحلة التآكل.
عالم مستاء… حتى من الداخل الأمريكي
لم تعد حالة الاستياء من السياسة الأمريكية محصورة في دول الجنوب أو القوى الصاعدة، بل امتدت إلى حلفاء تقليديين يشعرون بأنهم يُعاملون كأدوات لا كشركاء، وإلى نخب أمريكية سياسية وإعلامية تحذّر من أن تحويل العالم إلى ساحة أزمات دائمة يستنزف الولايات المتحدة أكثر مما يعزز مكانتها.
هذا التململ الداخلي يطرح سؤالاً مشروعاً: هل يمكن أن تُقيَّد هذه السياسات أو يُسحب الغطاء السياسي عنها إذا ثبت أنها تقود إلى أزمات عالمية مكلفة؟
الجواب الواقعي أن النظام السياسي الأمريكي يمتلك آليات تصحيح، لكنه غالباً ما يفعلها بعد تراكم الخسائر لا قبلها، وهو ما يجعل دولاً هشة مثل العراق عرضة لدفع ثمن هذه السياسات قبل أن يجري تعديلها. العراق… الحلقة الأضعف في صراع الكبار
وسط هذا المشهد الدولي المضطرب، يقف العراق في موقع بالغ الحساسية. فهو ليس طرفاً مقرِّراً في الصراع الدولي، ولا يملك أدوات فرض الإرادة، لكنه في الوقت نفسه من أكثر الساحات عرضة للاستخدام. الخطر الحقيقي لا يكمن في الضغط الخارجي وحده، بل في أن يُجرّ العراق إلى صراع لا مكسب له فيه، فقط لأنه يقع عند تقاطع مصالح متصارعة.
ثلاثة سيناريوهات لمصير العراق
السيناريو الأسوأ:
تحوّل العراق إلى ساحة تصفية حسابات، بفعل الضغوط الخارجية وتفاقم الانقسامات الداخلية، ما يؤدي إلى سيادة منقوصة، واقتصاد هش، وأمن غير مستقر. وهو مسار لا يخدم العراق ولا شعبه.
السيناريو المرجّح:
سياسة التكيّف القَلِق، عبر إدارة التناقضات وتفادي الصدام المباشر، من دون القدرة على بناء استقلال حقيقي في القرار. يجنّب هذا المسار الانفجار، لكنه يُبقي العراق رهينة للتوازنات الخارجية.
السيناريو الأفضل:
عقلنة القرار السياسي، ورفض تحويل العراق إلى ساحة مواجهة، وبناء سياسة خارجية متوازنة تُقدّم المصلحة الوطنية على منطق المحاور، وتحويل العلاقات الدولية إلى شراكات اقتصادية لا تحالفات صدامية.
موقف الشارع العراقي: رفض صامت لصراعات الآخرين
بعيداً عن خطابات النخب، يعبّر الشارع العراقي عن رفض عميق لأن يكون بلده ساحة صراع بالنيابة. هذا الرفض لا يتجلى دائماً في الاحتجاج، بل في وعي يومي تشكّل عبر عقود من الحروب والحصار وعدم الاستقرار. العراقي لا يسأل مع أي محور نقف، بل يسأل: متى نعيش بأمان؟ ومتى تستقر الدولة؟ ومتى تُحترم كرامتنا؟
لقد خبر العراقيون كلفة الصراعات الدولية حين تُخاض على أرضهم، ولذلك يتنامى مزاج عام يرفض الاستقطاب الحاد، ويطالب بسياسة خارجية عقلانية تُبقي العراق بعيداً عن منطق كسر العظم بين الكبار. هذا المزاج الشعبي يمكن أن يكون سنداً حقيقياً لأي حكومة تتبنى خيار التحييد، إذا أُحسن الإصغاء إليه.
خاتمة
إن أخطر ما قد يواجه العراق اليوم ليس ضغط الخارج وحده، بل الاستجابة غير المحسوبة لهذا الضغط. فالعالم يدخل مرحلة انتقالية مضطربة، تتراجع فيها القدرة على الضبط، وتتعاظم فيها كلفة المغامرة. وفي مثل هذه اللحظات، تُقاس حكمة الدول لا بقوة اصطفافها، بل بقدرتها على النجاة خارج العاصفة.
العراق لا يملك ترف الدخول في صراع لا مكسب فيه، ولا يحتمل أن يُستنزف مرة أخرى تحت عناوين أكبر من قدرته. الخيار العقلاني الوحيد هو بناء قرار وطني مستقل، يوازن العلاقات، ويُحيّد الأرض، ويستثمر الموقع لا ليكون جبهة، بل جسراً للمصالح.