جريمة تهزّ ضمير العالم.. حين تقتل واشنطن السيادة
قتيبة آل غصيبة
ليس أخطر على النظام الدولي من اللحظة التي تتحول فيها القوة إلى بديل عن القانون؛ والهيمنة إلى مرادف للعدالة، فالعالم يقف اليوم أمام سابقة بالغة الخطورة؛ تتمثل في ما أُعلن عن قيام الولايات المتحدة الأمريكية باعتقال رئيس دولة ذات سيادة؛ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو؛ في فعل لا يمكن توصيفه إلا بوصفه جريمة سياسية مكتملة الأركان وانتهاكاً فجَّاً لكل ما تبقى من قواعد القانون الدولي والشرعية الأممية.
إن اعتقال رئيس دولة؛ بغضّ النظر عن المواقف السياسية منه أو من نظامه ودعمه للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة؛ لا يُعد شأناً ثنائياً ولا إجراءً قضائياً عادياً؛ بل هو ضربة مباشرة لمبدأ سيادة الدول؛ وهو المبدأ الذي يقوم عليه النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فميثاق الأمم المتحدة لم يُنشأ ليمنح القوى الكبرى حق محاسبة الدول بالقوة؛ بل ليمنع تكرار منطق الغلبة الذي دمّر العالم مرتين.
دلالة عميقة
الخطير في هذه الواقعة لا يكمن في تفاصيلها فحسب، بل في الدلالة العميقة التي تحملها: (فحين تسمح دولة لنفسها باعتقال رئيس دولة أخرى؛ خارج أي تفويض دولي أو مسار قانوني متفق عليه؛ فإنها تعلن عمليًا نهاية عصر القانون وبداية عصر «السيادة الانتقائية»؛ حيث تُحترم الدول الضعيفة بقدر ما تخدم مصالح الأقوياء.)
لقد أثبتت التجارب أن تسييس العدالة الدولية واستخدامها كأداة للضغط والابتزاز لا يؤدي إلى حماية حقوق الإنسان؛ بل إلى تقويضها، فالولايات المتحدة؛ التي ترفع شعار الديمقراطية وحقوق الشعوب؛ تجد نفسها اليوم متهمة بتكريس سلوك يناقض هذه الشعارات، ويضعها في موقع من ينتهك القواعد التي يدّعي حمايتها. أما على مستوى الأمن والسلم الدوليين؛ فإن تداعيات هذه الخطوة بالغة الخطورة، فهي تشكل سابقة قد تدفع دولًا أخرى إلى تبني الأسلوب ذاته؛ وتفتح الباب أمام فوضى قانونية دولية؛ حيث يصبح كل خلاف سياسي مبرراً للتدخل؛ وكل اختلاف أيديولوجي ذريعة للاعتقال أو الإطاحة، وفي عالمٍ مثقلٍ بالأزمات والحروب؛ فإن مثل هذه الممارسات لا تشعل فتيل التوتر فحسب؛ بل تنسف أسس الاستقرار العالمي.
مؤسسات دولية
إن الصمت الدولي إزاء هذه الجريمة لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، فسكوت الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المعنية يبعث برسالة مقلقة مفادها أن القانون الدولي يُطبق على الضعفاء فقط، وأن العدالة تخضع لموازين القوة لا لمبادئ الحق. من هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تفرض على المجتمع الدولي؛ وعلى الدول التي ما زالت تؤمن بالتعددية واحترام السيادة؛ أن ترفع صوتها عالياً؛ لا دفاعًا عن شخص؛ بل دفاعًا عن مبدأ، فالدفاع عن سيادة فنزويلا اليوم هو دفاع عن سيادة أي دولة قد تكون الضحية التالية غدًا. إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الاستعراضات القسرية للقوة؛ بل إلى إحياء القانون الدولي؛ واحترام إرادة الشعوب؛ والعودة إلى منطق الحوار لا الإكراه، فبدون ذلك؛ لن يكون ما جرى حادثة عابرة، بل خطوة أخرى في طريق طويل نحو عالم أقل عدلًا… وأكثر خطورة.