الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في ملعب الشعب .. من الذي غادر فعلاً السيادة أم المواطن ؟

بواسطة azzaman

في ملعب الشعب .. من الذي غادر فعلاً السيادة أم المواطن ؟

موفق البياتي

 

ازمة ملعب الشعب ، ازمة كرامة لا ازمة مقعد ، فألذي غادر المدرجات لم يكن شخصاً بعينه : الذي غادر في تلك اللحظة كان شيء اثمن من ذلك هو وضوح الدولة وهيبتها.

ففي الدولة ذات السيادة الراسخة لا تمر الوقائع التي تمُس الرمزية والرموز الوطنية مرور الكرام . اما في حالتنا ، فأن واقعة ابعاد مسؤول عراقي كان يمثل – والى حين قريب- رمزاً من الرموز الرياضية الباسقة من مدرجات ملعب عراقي بناء على طلب دبلوماسي اجنبي لم تقابل الا بصمت رسمي ثقيل ، يثير الاسئلة اكثر مما يقدم من اجابات .

الواقعة التي ارتبطت بأسم رئيس اللجنة الاولمية العراقي عقيل مفتن وبطلب من القائم بالاعمال الامريكي (جوشوا هاريس) ليست مجرد تفصيل بروتوكولي كما حاول البعض تصويرها ، بل هي اختبار صريح لمفهوم السيادة في لحظة علنية امام الجمهور وامام عدسات الكاميرات ، انها واقعة تتلخص ومن غير رتوش بقيام شخص اجنبي بأبعاد شخص عراقي كان يحضر كرة عراقية على ارض عراقية  .

والسؤال االذي يطرح نفسه الان ، هل ان الصمت الرسمي على هذه الواقعة هو ادارة للأزمة ام هروب منها ؟  لقد كان بأمكان الحكومة العراقية ان تسلك احد مسارين واضحين :-

اولهما : التوضيح الشفاف من خلال بيان يحدد طبيعة ما جرى ويؤكد ان قرار الابعاد ما هو الا قرار تنظيمي داخلي لا يخضع للاملاءاته خارجية .

وثانيهما: اتخاذ الموقف السيادي الحازم من خلال التأكيد على ان اي اجراء داخل منشأة عراقية يجب ان يتم حصراً بقرار عراقي مستقل .

لكن الذي حدث هو الصمت ، والصمت في القضايا السيادية ليس حياداً ، بل انه رسالة . فحين لا تصدر رواية رسمية فأن الروايات المتناقضة هي التي تملأ الفراغ ، فيتحول المشهد حين ذاك من واقعة محدودة الى رمز لخلل اعمق في ادارة العلاقة مع الخارج .

فأذا صح ان الابعاد قد تم استجابة لطلب دبلوماسي اجنبي فأن سؤالاً يفرض نفسه بكل تجل ووضوح عما اذا كانت الحكومة قد مارست سلطتها التقديرية ، ام انها تعاملت مع طلب هذا الاجنبي بأعتباره امراً نافذا ً.

ان القانون الدولي ، وتحديداً اتفاقية {فينا} للعلاقات الدبلوماسية التي اعتمدت في 14/نيسان/1961 لا تمنح البعثات الاجنبية سلطة تنفيذية داخل اقليم الدولة المُضيفة ، فأي اجراء يجب ان يصدر عن السلطة الوطنية ذاتها لا ان يفرض عليها من الخارج .

لذلك فأذا كان قرار الابعاد عراقياً خالصاً فلتُعلن الحكومة ذلك بوضوح ، وان كان استجابة لضغط اجنبي  فألمشكلة تكون اعمق من مقصورة ملعب .

وعليه فأن الاشكالية الاعمق في واقعة ملعب الشعب هي ازدواجية المعايير فالدولة التي لا تحرص على حماية سمعتها امام المجتمع الدولي مطالبة :-

اولاً: بحماية هيبتها امام مواطنيها ، واذا كانت هناك عقوبات اجنبية على مواطن عراقي ، تظل هذه العقوبات اجنبية ما لم تعتمدها الدولة العراقية بقانون داخلي ، اما ان تتحول العقوبات الخارجية الى معايير فورية للتصرف داخل منشأت وطنية ومن دون سند قانوني داخلي مُعلن فذلك يفتح باباً خطيراً، بالذات عندما يصبح الامتثال السياسي بديلاً عن السيادة القانونية او عندما تدار العلاقة مع الخارج بمنطق تجنب الاحراج ، لا يمنطق توازن المصالح.

ابعاد مسؤول

قد يقول البعض ان الواقعة محدودة الاثر ، وهذا القول غير صحيح ذلك ان السياسة تقاس بالرمز .

كما تقاس بالفعل فحين يُطلب ابعاد مسؤول عراقي او اي مواطن عراقي من مقعد في منشأة عراقية ، فأن الرسالة التي تصل الى الشارع لا تقرأ بنصوص القانون ، بل بميزان الكرامة الوطنية .

ان الحكومات الرشيدة لا تترك وقائع تمس الرمزية الوطنية دون تفسير ولا تسمح بتحويل منشآتها العامة الى مساحات يدار فيها الحرج الدبلوماسي على حساب الوضوح والكرامة الداخلية .

ان النقد هنا لا يستهدف شخصاً بعينه بل يستهدف منهجاً في ادارة العلاقة مع الخارج ، منهج يقوم على تفادي الاحراج لا على تثبيت وتعزيز المبدأ ، والسيادة ليست شعاراً  يرفع في الخُطبِ بل موقف يختبر في التفاصيل ، وما حدث في ملعب الشعب لم يكن مجرد لقطة عابرة ، بل اختياراً حقيقياً لمعادلة تقول... ’’هل الدولة صاحبة القرار ام مجرد وسيط بين الضغوط ’’ يبقى السؤال مفتوحاً؟.

                                                                                                   قاض متقاعد

 


مشاهدات 57
الكاتب موفق البياتي
أضيف 2026/02/25 - 12:11 AM
آخر تحديث 2026/02/25 - 4:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 155 الشهر 19519 الكلي 14951162
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير